الفصل الرابع
سادت فترة من الصمت ، صمت الفزع والذهول، ثم عاد صوت القاضي منخفضاً واضحاً والتقط الخيط مرة أخرى وقال: سننتقل الآن إلى الخطوة التالية في تحقيقنا، ولكن دعوني أولاً أضيف معلوماتي إلى قائمة معلوماتكم.
وأخرج من جيبه رسالة فألقى بها على الطاولة، ثم استأنف الكلام قائلاً: فحوى هذه الرسالة أنها موجَّهة لي من صديقة قديمة هي الليدي كونستانس كليمنغتون التي لم أرَها منذ عدَّة سنوات، فقد رحلَت إلى الشرق. وهي رسالة من ذلك النوع من الرسائل الغامضة غير المترابطة المتوقَّع أن تكتبها، وفيها تحثني على الانضمام إليها هنا وتشير إلى مضيفها ومضيفتها بأكثر العبارات غموضاً. لاحظوا أنه الأسلوب نفسه، أذكر هذا فقط لأنه يتوافق مع الدلائل الأخرى، ومن كل ذلك تبرز نقطة هامّة واحدة، وهي أنه أيّاً كان الشخص الذي استدرجنا إلى هذا المكان فهو يعرف، أو أنه بذل جهداً ليعرف الكثير عنّا جميعاً. إنه – أيّاً كان- على علم بصداقتي مع الليدي كونستانس،
وهو ملمّ بأسلوبها في كتابة الرسائل، ويعرف شيئاً عن زملاء الدكتور آرمسترونغ وأماكن وجودهم حالياً، ويعرف لقب صديق السيد مارستون ونوعو البرقيات التي يكتبها، ويعرف تماماً أين كانت الآنسة برنت تقضي عطلتها قبل عامين ونوع الأشخاص الذين التقت بهم هناك، وهو يعرف كل شيء عن رفاق الجنرال ماك آرثر القدماء.
وصمت لحظة ثم تابع: إنه يعلم الكثير كما ترون ، ومن معلوماته هذه عنّا استطاع أن يوجَه لنا تُهَماً معيَّنة محددة.
وعلى الفور انطلقت التعليقات من كل جانب، فصاح الجنرال ماك آرثر: إنها مجموعة من الأكاذيب اللعينة.... افتراءات!
وقالت فيرا صارخة: " هذا ظلم"، ثم أضافت لاهثة: هذا هو الشر بعينه!
وقال روجرز بصوت أجشّ : هذه كذبة، كذبة شرّيرة! لا ، لم نفعل ، كلانا لم نفعل.
ودمدم أنتوني مارستون قائلاً: لا أعرف ما الذي كان هذا الأحمق اللعين يقصده!
رفع القاضي وارغريف يده فوضع حداً لنوبة الهياج هذه، ثم قال وهو ينتقي كلماته بعناية، أودّ أن أقول أن صديقنا المجهول يتهمني باغتيال شخص يُدعى إدوراد سيتون، وأنا أتذكر سيتون جيداً. لقد جيء به إلى المحكمة أمامي في شهر حزيران (يونيو) عام 1930، وكان متهَماً بقتل امرأة عجوز، وقد حظي بدفاع ممتاز وأعطى للمحلفين انطباعاً جيداً حين وقف على منصة الشهود، ومع ذلك فقد ثبت بالأدلة أنه مذنب بالتأكيد. وقد أجملتُ المحاكمة وأعطيت توجيهاتي للمحلّفين على هذا الأساس، ووجدَته هيئة المحلفين مذِنباً، وعندما نطقتُ بالحكم عليه بالإعدام كان ذلك متفقاً مع قرار المحلفين. تلا ذلك أنه قدّم استئنافاً على أساس أنني وجهت المحلّفين توجيهاً خاطئاً، ولكن الاستئناف رُفض وتمّ إعدام الرجل أودّ أن أقول أمامكم الآن بأنَ ضميري مرتاح تماماً في هذه الفضية، فقد قمتُ بواجبي ولا شيء غير ذلك. لقد نطقت حكماً عادلاً بحق مجرِم جُرِّم بصورة قانونية.
بدأ آرمسترونغ يتذكر في تلك اللحظة قضية سيتون. كان قرار الإدانة مفاجأة كبيرة؛ كان قد التقى بماثيوس محامى المتَهم في أحد أيام المحاكمة وهو يتناول الطعام في أحد المطاعم، وكان ماثيوس واثقاً من النتيجة حيث قال: لا شك فيما سيكون عليه قرار المحلفين ، إن البراءة مؤكَّدة.
ثم فيما بعد سمع تعليقات متناثرة: " القاضي كان منحازاً تماماً، أثّر على المحلفين وقلبهم ضده فأدانوه"، " كل شيء قانوني، وارغريف العجوز يعرف كيف يستخدم القانون"، " كما لو أن لديه ضغينة شخصية ضد ذلك المسكين"...
كل هذه الذكريات تتابعت في مخيّلة الطبيب، ثم نظر إلى القاضي فوجّه إليه سؤالاً، دون أن يتريث للتفكير في المحكمة م سؤاله. قال: هل كنت تعرف سيتون بأيّ شكل، ؟ أعني قبل القضية.
فحدّق إليه القاضي وأجابه بصوت بارد واضح: لا ، لم أعرف شيئاً عن سيتون قبل القضية.
قال آرمسترونغ لنفسه: الرجل يكذب، أنا متأكد أنه يكذب.
-2-
تحدثَت فيرا كلايثورن بصوت مرتعش وقالت: أودّ أن أخبركم عن الطفل سيريل هاملتون. كنت أعمل مربيّة له، ولم يكُن مسموحاً له أن يسبح بعيداً عن الشاطئ، وذات يوم غفلت عنه قليلاً فسبح مسافة بعيدة فسبحت خلفه، ولكني لم ألحق به في الوقت المناسب. كان ذلك مريعاً ولكنها لم تكُن غلطتي، وعند التحقيق برّأني المحقّق، وأمّ الطفل.. أمّ الطفل كانت في غاية اللطف. إذا كانت أمّه لم تُلمني فلماذا...؟ لماذا ينبغي أن تُقال أشياء فظيعة كهذه؟ هذا ظلم، ظلم!
ثم انفجرت في بكاء مرير فجأة، قرّب الجنرال ماك آرثر على كتفها وقال: هوّني عليك يا عزيزتي، هذا غير صحيح بالطبع. هذا الرجل مجنون، مجنون ولديه خلل في عقله، إنه يمسك العصا من طرفها الخطأ وكل أموره مشوَّشة.
ثم وقف منتصباً وشدّ كتفيه وصاح قائلاً: الواقع أن من الأفضل ترك هذا النوع من الأمور دون تعليق، أنا أشعر أن عليّ القول إنه لا توجد ذرة من الصدق فيما قاله عن ذلك الشاب آرثر ريتشموند؛ فريتشموند كان أحد الضباط العاملين معي، وقد أرسلتُه في مهمة استكشافية فقُتل، وهذا حادث طبيعي في وقت الحرب. وأودّ أن أضيف أنني استأتُ كثيراً من تلطيخ سمعة زوجتي، فهي أفضل امرأة في العالَم، لا شك في ذلك.
ثم جلس الجنرال ويده المرتعشة تمّسح شاربّيه، وكان الجهد الذي بذله في الحديث قد أثَر عليه كثيراً.
وتحدّث لومبارد وفي عينيه نظرة ساخرة فقال: بخصوص أولئك السكان الأصليّين...
قال مارستون : ماذا بخصوصهم؟
همهم فيليب لومبارد قائلاً: القصة صحيحة تماماً؛ لقد تركُتهم. كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، كنّا قد تُهنا في الغابة فأخذتُ أنا ورفيقان آخران ما تبقّى من طعام وتركناهم.
قال الجنرال ماك آرثر: تخلّيت عن رجالك؟ تركتهم يجوعون حتى الموت؟!
فأجاب لومبارد: ليس تماماً بهذا الوصف، ولكن النجاة بالنفس هي الواجب الأول للإنسان، والحياة بالنسبة لهؤلاء السكان الأصليين ليست على هذه الدرجة من الأهمية كما تعلم، فهم لا يشعرون بالحياة كما يشعرون بها الأوروبيون.
رفعت فيرا وجهها من بين يديها وقالت وهي تحدّق إليه: تركتهم يموتون؟!
فردّ لومبارد قائلاً: نعم، تركتهم يموتون.
تعلقت عيناه الساخرتان بعينيها المرعوبتين، وقال أنتوني مارستون بصوت بطيء وحائر: كنت أفكر للتو بجون ولوسي كومبس. لا بدّ أنهما الطفلان اللذان صدمُتهما بسيارتي قرب كامبردج ، حظ سيئ جداً.
قال القاضي وارغريف بسخرية: لهما أم لك؟
فقال أنتوني: حسناً، قصدت أنه...أعني أن حظي هو السيئ. أنت على حق سيدي، كان حفظهما سيئاً تماماً. بالطبع كان الأمر كله مجرَّد حادث؛ فقد اندفعا بسرعة من كوخ أو مكان ما. لقد تمّ سحب رخصتي لمدة سنة، وكان هذا غاية في الإزعاج.
قال الدكتور آرمسترونغ بحماسة: السرعة خطأ تماماً ، خطأ تماماً، إن الشبان من أمثالك خطر على المجتمع.
هزّ أنتوني كتفيه وقال: إن الطرق الإنكليزية سيئة جداً ولا يمكنك السير فيها بسرعة معقولة.
ثم نظر حوله حائراً بحثاً عن كوبه، وأخيراً التقطه عن إحدى الطاولات ومشى إلى الطاولة الجانبية، فملأه بالعصير مرة أخرى وقال وهو يلقي نظرة جانبية: حسناً، لم تكُن غلطتي على أيّة حال، كان مجرَّد حادث.
-3-
بلّل روجرز شفتيه وهو يحرك يديه حركات دائرة، وقال بصوت خافت ونبرة توحي بالاحترام لسامعيه: هل لي ان أقول كلمة يا سيدي؟
فقال لومبارد: تفضل يا روجرز.
فتنحنح روجرز ومرّر لسانه مرة أخرى فوق شفتيه وقال: لقد ورد اسمي ومعي السيدة روجرز والآنسة برادي، لا توجد ذرة من الحقيقة في هذا، فزوجتي وأنا كنّا إلى جانب الآنسة برادي حتى وفاتها. كانت دائماً معتلّة الصحة منذ التحقنا بخدمتها ، وكانت تلك الليلة عاصفة، ليلة موتها، وكان الهاتف متعطلاً ولم نتمكن من طلب الطبيب ، فذهبت بنفسي سيراً على الأقدام لإحضار الطبيب ولكنه وصل بعد فوات الأوان. لقد بذلنا كل شيء ممكن من أجلها – يا سيدي – وكنّا مخلصَين لها، وكل الناس يعرفون ذلك. لم يسمع احد كلمة ضدْنا قط، ولا كلمة واحدة.
نظر لومبارد بتأمّل إلى الوجه المرتعش للرجل وشفتيه اليابستين والرعب في عينيه، وتذكّر ارتطام صينية القهوة بالأرض عند سقوطها فقال في نفسه ساخراً: حقاً؟
ثم تكلم بلور، تكلم بلهجته الاستعلائية القوية وقال: ولكنكم – مع ذلك – وجدتم هدية صغيرة لكم عند موتها، أليس كذلك؟
فاعتدل روجرز في وقفته وقال بلهجة جافة: لقد تركت لنا الآنسة برادي إرثاً تقديراً منها لخدماتنا المخلصة، فماذا في ذلك؟ أوّد لو أعرف.
قال لومبارد: وماذا عنك يا سيد بلور؟
- ماذا عنّي؟!
- اسمك ورد في القائمة.
فامتقع وجه بلور وقال: تعني لاندور؟ تلك كانت حادثة سرقة البنك ، بنك لندن التجاري.
تململ القاضي وارغريف وقال: أذكر القضية، لم انظر فيها ولكنّي أذكرها. جُرَّم لاندور نتيجة شهادتك ، ألم تكُن أنت ضابط الشرطة المكلّف بالقضية؟
- بلى.
- وقد حُكم على لاندور بالأشغال الشاقة المؤبَّدة ومات في سجن دار تمور بعد سنة من ذلك. كان رجلاً رقيقاً بسيطاً.
- بل كان نصّاباً، وكان هو الذي قتل الحارس. كانت التهمة واضحة ضدّه تماماً.
فقال وارغريف ببطء: أعتقد أنك نلت ثناء على كفاءتك في معالجة القضية، أليس كذلك؟
ردّ بلور مقطّباً: " لقد حصلت على ترقية". ثم أضاف بصوت أجشّ : كنت أؤدّي واجبي فقط.
وضحك لومبارد فجأة ضحكة رنّانة عالية وقال: يا لنا من مجموعة من عشّاق أداء الواجب وطاعة القانون! باستثنائي أنا بالطبع. ماذا عنك يا دكتور وخطئك المهني البسيط؟ هل كانت عملية غير قانونية؟
نظرَت إليه إميلي برنت بازدراء حادّ وارتدّت للوراء بعض الشيء، وقال الدكتور آرمسترونغ بثقة وهزّة دعابة برأسه : لست قادراً على فهم الموضوع. الاسم لا يعني لي شيئاً ، ماذا كان الاسم؟ كليز، كلوز... لا أذكر حقّاً أنني عالجت مريضاً بهذا الاسم أو أن تكون لي صلة بحالة موت من أي نوع. إن الموضوع كله غامض تماماً بالنسبة لي. الحكاية قديمة – بالطبع – وليس مستبعَداً أن تكون إحدى حالات العمليات التي أجريتها في المستشفى، والكثير من هؤلاء الناس يأتون متأخّرين جداً وعندما يموت المريض يعتبرون أنها غلطة الطبيب دائماً.
وتنهد وهزّ رأسه وهو يفكر قائلاً لنفسه: سكران، نعم ، كنت سكرانْ وأجريت العملية! كانت أعصابي منهارة ويداي ترتعشان. لقد قتلتها دون شك، تلك المرأة العجوز المسكينة. كانت عملية بسيطة لو كنت متنبهاً. وكان من حسن حظي ذلك الولاء في مهنتنا، فالممرضة كانت تعرف بالطبع، ولكنها أمسكت لسانها. يا إلهي! كان ذلك صدمة لي هزّتني بعنف، ولكن من الذي كان يمكن أن يعرف تلك الحكاية بعد كل هذه السنين؟!
-4-
ساد صمت في الغرفة، وكان الجميع ينظرون خفية أو مباشرة إلى إميلي برنت، ومرّت دقيقة أو دقيقتان قبل أن تشعر بوطأة النظرات المترقبة، فارتفع حاجباها على جبينها الضيّق وقالت: هل تنتظرون منّي أن أقول شيئاً؟ ليس لديّ ما أقوله.
فقال القاضي: لا شيء يا آنسة برنت؟
- نعم ، لا شيء.
وأطبقت شفتيها، فمسح القاضي على وجهه وقال بلطف : هل تحتفظين بحقك في الدفاع؟
فقالت الآنسة برنت ببرود: لا ضرورة للدفاع؛ لقد كنت أعمل دائماً بوحي من ضميري وليس لديّ ما أخجل منه.
أشاع ردّها إحساساً بالإحباط، ولكن إميلي برنت لم تكُن ممّن يؤثر فيهم الرأي العام. واستمرّت في الحفاظ على رباطة جأشها، فتنحنح القاضي مرة أو مرتين ثم قال: لنترك تحقيقنا عند هذه النقطة. والآن يا سيد روجرز، مَن يوجد أيضاً على هذه الجزيرة بالإضافة لنا وأنت وزوجتك؟
- لا أحد يا سيدي، لا أحد أبداً.
- هل أنت متأكد من ذلك؟
- متأكّد تماماً يا سيدي.
قال وارغريف : لست متأكداً بالضبط من قصد مضيفنا المجهول في جمعنا هنا، وفي رأيي أن هذا الشخص – كائناً مَن كان – ليس بكامل قواه العقلية بالمعنى المتعارَف عليه. قد يكون خطيراً ، ومن الأفضل لنا – في رأيي – أن نغادر هذا المكان بأسرع ما يمكننا، وأقترح أن نغادره الليلة.
فقال روجرز: عفواً يا سيدي ، ولكن لا يوجد قارب على الجزيرة.
- لا يوجد أيّ قارب؟!
- نعم يا سيدي.
- كيف تتصلون بالشاطئ؟
- فريد ناراكوت يأتي صباح كل يوم يا سيدي، يحضر معه الخبز والحليب والبريد ويأخذ قائمة بطلباتنا.
فقال القاضي وارغريف: إذن قد يكون من الأفضل أن نغادر غداً صباحاً حالما يصل قارب ناراكوت.
سرت همهمة موافقة باستثناء معارض واحد هو أنتوني مارستون الذي لم يتفق مع الأغلبية وقال: أليس هذا نوعاً من الانهزام؟ يتعيّن علينا كشف هذه المسألة الغامضة قبل أن نغادر المكان، ويبدو لي الأمر كله كقصة بوليسية في غاية الإثارة.
فقال القاضي بسخرية لاذعة: في مثل سنّي هذه ليس لديّ أيّ رغبة في تلك الإثارة التي تتكلم عنها.
فقال أنتوني مدمدماً : إن الحياة القانونية تصيب المرء بالضيق!
ثم رفع كأسه وأفرغها مرة واحدة في جوفه، وبسرعة بدأ يشرَق بصورة سيئة؛ فقد بدا على وجهه أنه يتلوّى ألماً، ثم أصبح وجهه أزرق اللون وأخذ يشهق محاولاً التنفس، ثم سقط عن كرسيه ووقعت الكأس من يده!
* * *
الفصل الخامس
كانت مفاجأة مذهلة وغير متوقَّعة، مفاجأة حبست أنفاسهم فجمدوا في أماكنهم ينظرون ببلاهة إلى الجسد المتكوّم على الأرض، ثم قفز الدكتور آرمسترونغ وذهب وركع إلى جانبه، وعندما رفع رأسه بدت في عينيه حيرة شديدة وحشرج هامساً بفزع : يا إلهي ، لقد مات!
لم يستوعبوا الأمر في الحال. مات؟ مات ؟! ذلك الشاب في عنفوان صحّته وقوته يصبح جثة هامدة في لحظة واحدة! الشباب الأصحّاء لا يموتون هكذا بمجرَّد أن يَشرَقوا بجرعة من العصير بالصودا! لا، لم يكُن بوسعهم أن يصدّقوا ما حصل.
راح الدكتور آرمسترونغ يحدّق إلى وجه الرجل الميت، وأخذ يشتمّ شفتيه الملتويتين الضاربتين للزرقة ثم رفع الكأس التي كان أنتوني مارستون يشرب منها، وقال الجنرال ماك آرثر: مات؟ هل تعني أن الرجل شَرِقَ فقط و... ومات؟!
فقال الطبيب : يمكنك القول أنه شرِق إذا شئت ، ولكنه مات اختناقاً.
كان يشتمّ الكأس، ثم غمس إصبعه في البقية الباقية فيها وبكل حذر لمس بإصبعه طرف لسانه، وتغيرت ملامحه فوراً!
قال الجنرال ماك آرثر: لم أعرف قط أن رجلاً قد يموت بهذه السهولة، فقط لأنه شَرِقَ بجرعة شراب.
وقالت إميلي برنت بصوت واضح : هذا في وسط الحياة، ولكننا هنا في مواجهة الموت.
ونهض الدكتور آرمسترونغ وقال بحدة: لا ، لا ، أحد يموت لمجرَّد أنه شَرِق بشيء، إن موت مارستون لم يكُن طبيعياً.
فقالت فيرا على الفور بما يشبه الهمس: هل يوجد شيء في العصير؟
أومأ آمسترونغ إيجاباً وقال: نعم ، لا أعرف المادة بالضبط ولكن كل شيء يشير إلى نوع من السيانيد. لم أشتمّ رائحة حامض البروسيك. قد يكون سيانيد البوتاسيوم، فهي مادة تفعل فعلها فوراً.
قال القاضي بحدّة: هل كانت تلك المادة في كأسه؟
- نعم.
خطا الطبيب إلى الطاولة التي كانت عليها المشروبات فرفع غطاء زجاجة العصير وشمّها وذاقها، ثم هزّ رأسه قائلاً: لا عيب فيه.
قال لومبارد : أتعني أنه وضع المادة في الكأس بنفسه؟
أومأ آرمسترونغ بتعبير يدلّ على عدم ارتياحه وقال: يبدو الأمر كذلك؟
وقال بلور : أتعني أنه انتحار ؟! هذه ميتة غريبة!
قالت فيرا ببطء : لا يخطر بالبال أبداً أنه قد يقتل نفسه . لقد كان ، كان ... يا إلهي لا أستطيع الوصف!
ولكنهم كانوا يعرفون ماذا كانت تعني؛ كان أنتوني مارستون يبدو في أوج شبابه ورجولته ، وها هو الآن هامد متكوّم على الأرض لا حياة فيه .
قال الدكتور آرمسترونغ : هل ترون احتمالاً آخر غير الانتحار؟
هزّ الجميع رؤوسهم ببطء، فلا يمكن أن يكون للأمر تفسير آخر؛ المشروبات نفسها لم يعبث بها أحد ، وجميعهم شاهدوا أنتوني مارستون يذهب ويصبّ شرابه بنفسه، إذن فمعني ذلك أن أي مادة سامّة وُضعت في الشراب قد وُضعت بيد أنتوني مارستون نفسه! ولكن ما الذي يدفع أنتوني مارستون إلى الانتحار؟!
قال بلور متفكراً: أتدري أيها الطبيب؟ الأمر لا يبدو مقنعاً؛ ليس بوسعي القول بأن السيد مارستون كان من نوع الرجال الذين قد يُقِدمون على الانتحار.
فأجاب آرمسترونغ : أوافقك الرأي.
-2-
ترك الجميع الأمر على حاله، فلم يكُن لديهم ما يمكن أن يُقال. وحمل آرمسترونغ ولومبارد معاً جثة أنتوني آرمسترونغ إلى غرفته فأرقداها هناك وغطّياها بملاءة، وعندما عادا إلى الطابق السفلي كان الآخرون يقفون مجتمعين ويرتعشون قليلاً رغم أن المساء لم يكُن بارداً.
قالت إميلي برنت: الأفضل أن نأوي إلى غرفنا؛ لقد تأخر الوقت.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل فبدا الاقتراح معقولاً، ومع ذلك فقد تردد الجميع، وبدا كما لو أنهم يودّون البقاء معاُ ليشعروا بالطمأنينة، وقال القاضي: أجل ، علينا أن ننام بعض الوقت.
قال روجرز: لم أنتهِ من التنظيف في غرفة الطعام بعد.
فقال لومبارد باقتضاب: قُم بذلك في الصباح.
وقال له آرمسترونغ: هل زوجتك على ما يرام؟
- سأذهب واراها يا سيدي.
ثم عاد بعد دقيقة أو دقيقتين وقال : إنها نائمة كالملائكة.
فقال الطبيب : حسناً ، لا تزعجها.
- بالطبع يا سيدي، فقط سأضع الأشياء في غرفة الطعام وأتأكد من إغلاق الأبواب ، ثم سآوي إلى غرفتي.
وخطا عبر القاعة إلى غرفة الطعام، وصعد الجميع الدرَج في طابور بطيء متردد.
لو كان هذا البيت قديماً تئن أخشابه وتمتلئ زواياه بالظلال المعتمة ولو كانت جدرانه داكنة لوُجد ما يثير مشاعر الخوف، ولكن هذا البيت كان غاية في الحداثة وليست فيه أي زوايا معتمة، كانت الأضواء تغمره ولم يكُن فيه أشياء مخبّأة، لم يكن له جو خاص. ولكن هذه الحقيقة كانت – على نحو ما – أكثر الأشياء مدعاة للخوف!
تبادلوا تحية المساء عندما وصلوا أعلى الدرَج ، وذهب كل منهم إلى غرفته، وبصورة تلقائية ودون انتباه تقريباً أقفل كل منهم باب غرفته على نفسه.
-3-
في غرفته المريحة التي طُليت جدرانها بألوان باهتة جميلة خلع القاضي وارغريف ملابسه واستعدّ للنوم. كان يفكر بإدوارد سيتون. إنه يذكر سيتون جيداً؛ شعره ، عينيه الزرقاوين ، عادته في النظر إليك مباشرة، الهالة اللطيفة من الاستقامة والصدق التي كانت تبدو عليه... كان ذلك قد ترك في نفوس المحلفين انطباعاً جيداً عنه.
كان ليولين، المدّعي العام، قد أدّى مهمته بطريقة سيئة مبدياً حماسة مبالَغاً فيها ومحاوِلاً إثبات الكثير، أما ماثيوس محامي الدفاع.
فقد كان جيّداً؛ كانت أدلته قاطعة وكانت مناقشته للشهود دقيقة، وكان بارعاً للغاية في استجواب موكّله على منصة الشهود. كما أن سيتون كان قد أبلى بلاء حسناً في مواجهة استجواب الادّعاء ، فلم يتحمس أو يبالغ أكثر ممّا ينبغي وأعطى المحلفين انطباعاً جيّداً. ولعله بدا لماثيو كما لو أن كل شيء يسير كما ينبغي.
وضع القاضي ساعته بعناية إلى جوار سريره، وتذكّر بدقّة كيف كان يشعر وهو جالس هناك يستمع ويأخذ ملحوظات ويقيّم كل شيء مرتّباً كل ما فيه دليل ضدّ المتهَم . كان قد استمتع بالقضية، وكانت كلمة ماثيو النهائية مرافعة من الطراز الأول، وحين جاء الدور على ليولين بعده فشل في إزالة الانطباع الحسن الذي تركه محامي الدفاع، ثم جاء دوره هو لإجمال القضية وإعطاء توجيهاته للمحلّفين.
خلع القاضي وارغريف بعناية طقم أسنانه ووضعه في كوب ماء، فتراجعت شفتاه المنكمشتان داخل فمه الذي بدا قاسياً ومتوحشاً، وابتسم القاضي لنفسه وهو يضع قناعاً على عينيه، لقد مكر لسيتون بكل براعة! وتمدّد على السرير وهو يئن قليلاً من آلام المفاصل ، ثم أطفأ النور.
-4-
وقف روجرز حائراً في غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كان ينظر إلى تماثيل الجنود الخزفية في وسط الطاولة، ثم غمغم قائلاً لنفسه : إنه لأمر غريب؛ أستطيع أن أقسم أنه كان هنا عشر قطع!
تقلب الجنرال ماك آرثر على سريره ولم يستطع النوم، وفي ظلال الغرفة ظلّ يرى وجه آرثر ريتشموند. كان قد أحب آرثر، بل كان معجَباً به إعجاباً شديداً ، وكان سعيداً بأن ليزلي قد انسجمت معه أيضاً. كانت ليزلي امرأة متعالية تنظر بتعالٍ إلى كثير من الشبان المتميّزين وتصفهم بأنهم أغبياء، هكذا ببساطة ، أغبياء، إلاَ أنها لم تجد آرثر ريتشموند غبياً بل انسجما معاً منذ البداية، فكانا يتحدثان عن المسرح والموسيقى وكانت تمازحه وتسخر منه.
وكان ماك آرثر مسروراً بفكرة أنّ ليزلي تبدي به اهتمام الأم. ولكن أيّ أمومة ؟! يا لها من حماقة لعينة حين لم ينتبه وقتها إلى أن ريتشموند كان في الثامنة والعشرين وليزلي في التاسعة والعشرين! لقد أحب ليزلي ، وبوسعه أن يراها الآن في خياله بوجهها المستدير وعينيها الراقصتين بلونهما الرمادي العميق وشعرها البني الكثيف الملفوف... لقد أحبّ ليزلي ووثق بها تماماً.
كان هناك في فرنسا وسط الجحيم، كان جالساً يفكر فيها ناظراً إلى صورتها التي كان قد أخرجها من جيب قميصه، وعندها اكتشف الأمر، تماماً كما تحدث الأشياء في الروايات؛ الرسالة في الظرف الخطأ، كانت تكتب لكليهما، وكانت قد وضعت رسالتها إلى ريتشموند في الظرف المعنوَّن إلى زوجها! وحتى الآن، وبعد كل هذه السنوات ، ما زال يشعر بوقع الصدمة وبالألم . كم كان ذلك مؤلماً!
كانت علاقتهما قد بدأت منذ بعض الوقت، وكان ذلك واضحاً في الرسالة: عطلات نهاية الأسبوع، إجازة ريتشموند الأخيرة...
قال لنفسه بسخط : ليزلي ! ليزلي وآرثر ! لعن الله ذلك الرجل، لعن الله وجهه البسّام و " نعم سيدي " التي يهتف بها بكل نشاط... يا له من كاذب منافق يسرق زوجة رجل آخر!
تجمّع غضبه ببطء، ذلك الغضب البارد القاتل، واستطاع الاستمرار في التعامل معه كالمعتاد ولم يُظهر له شيئاً. حاول المحافظة على سلوكه الطبيعي مع ريتشموند كما هو ، وهو يعتقد أنه نجح في ذلك فلم يتطرق إلى نفس ريتشموند أيّ شك . اختلاف المزاج كان له ما يبرره هناك حيث تضغط أهوال الحرب على أعصاب الرجل باستمرار.
وحده أرمتياج الشاب نظر إليه بفضول مرّة أو مرّتين . كان شاباً صغيراً ولكن كانت لديه قدرة قوية على الملاحظة، وربما كان أرمتياج قد عرف عندما حان الوقت. لقد أرسل ريتشموند بتدبير محكّم إلى حتفه، فلم يكُن ممكناً له النجاة إلى بمعجزة والمعجزة لم تحدث، نعم ، لقد أرسل ريتشموند إلى الموت، ولم يكن نادماً. كانت المسألة سهلة تماماً؛ الأخطاء كانت تقع طول الوقت والرجال يُرسَلون إلى الموت دون مبرر ، وكان الجو مشحوناً بالاضطراب والرعب، فكان يمكن للناس أن يقولوا فيما بعد : " لقد فقد ماك آرثر أعصابه قليلاً فارتكب بضعة أخطاء كبيرة وضحّى ببعض خيرة رجاله ... " ، ولكن لم يكُن بوسعهم أن يقولوا أكثر من ذلك.
ولكن الفتى أرمتياج كان مختلفاً؛ لقد نظر إلى قائده بدهشة شديدة. ربما علم أن ريتشموند كان مرسَلاً إلى موته بتدبير مسبّق. تُرى هل تكلّم أرمتياج بعد انتهاء الحرب؟ ليزلي لم تعلم. افترضَ أنها بكت صاحبَها ، ولكن بكاءها كان قد انتهى حين عاد هو إلى إنكلترا . لم يخبرها قط أنه اكتشف الأمر واستمرا معاً ، ولكنها لم تعُد إلى طبيعتها كما كانت . ثم أصيبت بالتهاب رئوي بعد ثلاث سنوات أو أربع وماتت.
كان ذلك منذ وقت طويل، خمسة عشر عاماً أو سنة عشر. وقد ترك الجيش وجاء للعيش في ديفون فاشترى بيتاً صغيراً من النوع الذي كان يحلم بامتلاكه دائماً، جيران طيّبون ومنطقة جميلة من العالَم وبعض الصيد البّري وصيد الأسماك...
كان الناس جميعاً ودودين في البداية، ولكنه بدأ يشعر بعد ذلك بالقلق من إحساسه بأن الناس يتحدثون من وراء ظهره، وبدا له أنهم ينظرون إليه – على نحو ما – بصورة مختلفة كما لو أنهم سمعوا شيئاً، إشاعة ما. هل هو أرمتياج ؟ هل من الممكن أن يكون أرمتياج قد تكلم؟
تجنّب الناس بعد ذلك وتقوقع داخل نفسه. كم هو مؤلم أن تشعر أن الناس يتحدثون عنك!
كان ذلك كله منذ وقت طويل، كلام لا جدوى منه الآن.
ليزلي تلاشت بعيداً وكذلك ريتشموند ، لا شيء ممّا حدث تبدو له أهمية الآن، ولكن ذلك جعله وحيداً في حياته وأصبح حريصاً على تجنّب رفاقه القدامى في الجيش؛ فإذا كان أرمتياج قد تكلم فسيكونون على علم بالموضوع.
والآن ، الليلة ، دوّى صوتٌ خفيّ معلناً تلك القصة القديمة المخفيّة. هل تعامل مع الموضوع كما ينبغي؟ هل تجنّب الثرثرة؟
هل أظهر القدر الكافي من مشاعر الغضب والاحتقار دون الإحساس بالذنب أو الارتباك؟ من الصعب أن يجزم بذلك.
من المؤكَّد أن أحداً لم يحمل الاتهام على محمل الجدّ. لقد كان في ذلك الحديث الكثير من الهراء غير المعقول أيضاً، تلك الفتاة الجميلة اتهمها الصوت بإغراق طفل! إنه اتهام أحمق؛ رجل مجنون يرمي الناس بالتهم جِزافاً! إميلي برنت أيضاً، وهي ابنة أخي توم برنت زميله في الكتيبة، اتهمها الصوت بارتكاب جريمة قتل! إن بوسع أيّ واحد (حتى لو كان بنصف عين) أن يرى كم هي تقية صالحة. المسألة كلها شيء غريب لعين... جنون، لا أقلّ من ذلك.
منذ وصولهم إلى هذا المكان و... ولكن متى كان ذلك؟ كان ذلك هذا المساء فقط! ولكن تبدو المدة أطول من هذا بكثير! قال لنفسه: تُرى متى سنخرج من هنا ثانية؟ غداً طبعاً عندما يعود القارب من الشاطئ.
ولكنه لم يكُن – في تلك اللحظة- مهتمّاً كثيراً بمغادرة الجزيرة أو بالعودة إلى الشاطئ ثم إلى بيته الصغير، العودة إلى كل ذلك القلق والمتاعب، كان بوسعه سماع صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور من خلال نافذته المفتوحة، كان الصوت أعلى قليلاً مما كان عليه في وقت سابق من المساء، وكانت الريح تشتدّ أيضاً . وفكّر قائلاً لنفسه: هذا صوت هادئ ومكان هادئ. أفضل ما في أية جزيرة انك عند وصولك إليها لا تستطيع الذهاب إلى أبعد منها ، فأنت تصل إلى نهاية الأشياء.
وأدرك فجأة أنه لا يريد مغادرة الجزيرة!
-6-
استلقت فيرا كلايثورن في سريرها مفتوحة العينين تحدّق إلى سقف الغرفة. كان المصباح إلى جانبها مضاء، لقد كانت تخاف الظلام. وكانت تفكر قائلة لنفسها: هوغو ، هوغو ... لماذا أشعر انك قريب جداً منّي في هذه الليلة؟ قريب جداً في مكان ما. أين هو حقاً؟ لا أعرف ، ولن أعرف أبداً. لقد خرج من حياتي وذهب بعيداً جداً.
لم يكن ممكناً عدم التفكير في هوغو ؛ لقد كان قريباً منها وكانت مجبّرة على أن تفكر فيه، وأن تتذكر ، كورنوول .. الصخور السوداء، ألرمال الناعمة، السيدة هاملتون مرحة الطباع ، وسيريل المتذمر قليلاً دائماً وهو يشدّ يدها. كان يقول لها : أريد أن أسبح إلى الصخرة يا آنسة كلايثورن. لماذا لا أستطيع السباحة إلى الصخرة؟
ترتفع عيناها وتلتقيان بعينيّ هوغو وهو يراقبها، وتلك الأمسيات بعد ذهاب سيريل إلى النوم. كان يقول لها: هل تأتين لتتمشّي معي يا آنسة كلايثورن؟
- نعم ، سآتي.
المشّي بهدوء على الشاطئ، وضوء القمر، ونسيم المحيط الأطلسيّ العليل ، ثم كفّ هوغو وهي تحتضن كفّها وصوته الرقيق وهو يقول : أحبك ، أحبك ، أتعرفين أنني أحبك يا فيرا؟
نعم ، كانت تعرف، أو لقد خُيّل لها أنها كانت تعرف. تذكّرَته حين قال لها : لا أستطيع أن أطلب منكِ أن تتزوجيني ؛ فليس في جيبي بنس واحد ولا أستطيع أن أعول غير نفسي. شيء غريب! هل تعلمين؟ لقد حانت لي فرصة مرّة لمدة ثلاثة أشهر لأن أطمح إلى أن أكون ثرياً، فسيريل لم يولَد إلاَ بعد ثلاثة شهور من وفاة موريس. لو انه كان بنتاً...
لو كان هذا الطفل بنتاً لكان هوغو قد حصل على كل شيء. لقد اعترف بأن أمله قد خاب، كان يقول: لم أعتمد على ذلك بالطبع، ولكنها كانت صدمة نوعاً ما. الحظ هو الحظ! سيريل طفل لطيف وأنا معجَب به للغاية.
وفعلاً كان معجَباً به . كان مستعداً دائماً ليلعب مع ابن أخيه أو يسليّه بأي شكل، ولم يكُن الحقد في طبع هوغو. لم يكُن سيريل قوياً حقاً بل كان طفلاً ضعيفاً ولا قدرة له على الاحتمال، وربما كان من نوع الأطفال الذين لا يعيشون حتى يكبروا.ثم... اقتحم ذاكرتها صوته وهو يلحّ عليها في السؤال: آنسة كلايثورن، لماذا لا أستطيع السباحة إلى الصخرة؟
كان السؤال مزعجاً ومتكرراً ، وكانت تجيبه دائماً : لأن الصخرة بعيدة يا سيريل.
- ولكن يا آنسة كلايثورن....
نهضت فيرا وتوجهت إلى طاولة الزينة فأخذت ثلاث حبّات من الأسبرين، وقالت لنفسها: حبذا لو كان لديّ حبوب منوّمة حقيقية. لو أنني فكرت في قتل نفسي لأخذت جرعة زائدة من الفيرونال أو شيء من هذا النوع وليس سيانيداً!
سرت في جسدها رجفة حين تذكَرت وجه أنتوني مارستون الأحمر المتشنج، وحين مرّت بالمدفأة نظرت إلى مقطوعة الشعّر المعلّقة فوقها:
عشرة جنود صغار خرجوا للعشاء
أحدهم شَرِقَ فمات فبقي تسعة
وقالت لنفسها: يا له من أمر مُخيف؛ تماماً مثلما حدث هذا المساء! لماذا كان أنتوني مارستون يريد الموت؟
هي لا تريد الموت، لا تستطيع تخيّل أنها تريد الموت! الموت من نصيب الـ... الآخرين.
* * *
الفصل السادس
كان الدكتور آرمسترونغ يحلم: كان الجو حارّاً في غرفة العمليات، من المؤكَّد أنهم ضبطوا الحرارة على درجة مرتفعة. كان العرق يسيل على وجهه، وكانت يداه لزجتين ولم يكن بوسعه إمساك المشرط جيداً. كم كانت جميلة حدّة المشرط! من السهل القيام بالقتل باستخدام سكين كهذه، وهو بالطبع كان بصدد القتل.
بدا جسد المرأة مختلفاً، كان ضخماً ثقيلاً، ولكن تلك المرأة كانت نحيفة وضئيلة، وكان الوجه مخفياً. مَن الذي كان عليه أن يقتله؟ لم يستطع التذكر، ولكنه يجب أن يعرف هل يسأل الممرضة؟ الممرضة كانت تراقبه. لا ، لا يستطيع سؤالها، لقد كانت متشككة وكان بوسعه رؤية ذلك. ولكن مَن كان على طاولة العمليات؟ ما كان ينبغي لهم أن يُخفوا الوجه على هذا النحو. ليته يستطيع رؤية الوجه.
آه ، هذا أفضل . وجد شابّاً متدرّباً يسحب المنديل، وها هو .
الوجه. نعم، إميلي برنت بالطبع، كان عليه أن يقتل إميلي برنت. كم كانت عينها خبيثة! كانت شفتاها تتحركان، ماذا كانت تقول؟ كانت تقول: وسط الحياة نحن في مواجهة الموت.
كانت تضحك، وكان هو يقول للممرضة : لا أيتها الممرضة، لا تعيدي وضع المنديل، عليّ أن أرى ، عليّ أن أعطيها المخدّر. أين المخدّر؟ لا بدّ أنني أحضرته معي! ماذا فعلتِ بالمخدر أيتها الممرضة؟ حسناً، هذا يكفي تماماً. أنزعي المنديل بعيداً أيتها الممرضة.
بالطبع كنت أعرف ذلك كل الوقت، هذا أنتوني مارستون. إن وجهه أحمر متشنج ولكنه ليس ميتاً. إنه يضحك، نعم ، يضحك لدرجة أنه يهزّ طاولة العمليات!
- انتبه أيها الرجل ، انتبه ، ثبّتي الطاولة أيتها الممرضة ، ثبّتي الطاولة!
وفجأة استيقظ الدكتور آرمسترونغ ، وكان الصباح قد طلع وأشعة الشمس تتدفق في الغرفة. كان شخص ما ينحني فوقه ويهزّه، وكان ذلك الرجل روجرز. كان ممتقع الوجه ينادي: دكتور، دكتور.
واستيقظ الدكتور آرمسترونغ تماماً وجلس في سريره وقال بحدّة: ما الأمر؟
- زوجتي يا دكتور ، لا أستطيع إيقاظها! يا إلهي! لا أستطيع إيقاظها ، وهي... وهي لا تبدو لي طبيعية.
كان الدكتور آرمسترونغ سريعاً، فلفّ نفسه في ثوب النوم وتبع روجرز.
-2-
انحنى الدكتور آرمسترونغ فوق السرير الذي كانت ترقد عليه المرأة بسلام على جنبها، ورفع يدها الباردة وفتح جفنها ، ومرّت دقائق قبل أن يرفع قامته ويتحول عن السرير.
همس روجرز: هل هي...؟ هل هي...؟
ومرّر لسانه على شفتيه الجافتّين، فأومأ الدكتور آرمسترونغ قائلاً: نعم ، لقد ماتت.
واستقرّت عيناه بتأمّل على الرجل الواقف أمامه ثم على الطاولة المجاورة للسرير ثم على حوض الغسيل، ثم رجعتا إلى المرأة النائمة، وقال روجرز: هل كان .... هل كان قلبها يا دكتور؟
وانتظر الدكتور آرمسترونغ دقيقة أو اثنتين قبل الإجابة ثم سأل: كيف كانت صحتها في العادة؟
قال روجرز : كانت تعاني قليلاً من آلام العظام.
- هل كان يشرف عليها أيّ طبيب مؤخَّراً؟
قال روجرز: طبيب؟ لم ترَ طبيباً منذ سنوات، لا هي ولا أنا.
- هل لديك أيّ سبب يجعلك تعتقد أنها عانت من مشكلات في القلب؟
- لا يا دكتور ، لم أعرف شيئاً كهذا من قبل.
قال آرمسترونغ: هل كانت تنام جيداً؟
فتجنّب روجرز النظر إليه وأخذ يشبّك يديه ويديرهما بقلق ثم غمغم قائلاً: لا ، لم تكُن تنام جيداً.
فقال الطبيب بحدّة: هل كانت تأخذ شيئاً لمساعدتها على النوم؟
فحدّق إليه روجرز مدهوشاً وقال: تأخذ شيئاً لمساعدتها على النوم؟! ليس حسب علمي. أنا على يقين من أنها لم تكُن تأخذ شيئاً.
خطا آرمسترونغ إلى حوض الغسيل حيث كان هناك عدد من الزجاجات على رفّ الحوض، معجون للشعر، ماء عطري، زجاجة مليّن للمعدة، سائل غلسرين للأيدي، مطهّر سائل للفم، معجون آسنان... وساعده روجرز بفتح أدراج خزانة الملابس، ثم انتقلا من هناك إلى خزانة أدراج أخرى ولكنهما لم يجدا أية دلائل على وجود شراب أو حبوب منوّمة. قال روجرز: لم تأخذ شيئاً الليلة الماضية – يا سيدي – ما عدا الدواء المسكّن الذي أعطيتَه أنت لها.
-3-
عندما دقّ جرس الإفطار في تمام التاسعة كان الجميع قد نهضوا وخرجوا ينتظرون دعوتهم إلى غرفة الطعام، وكان الجنرال ماك آرثر والقاضي يذرعان الشرفة الخارجية ويتبادلان تعليقات متقطعة حول الموقف السياسي، وكانت فيرا كلايثورن وفيليب لومبارد قد صعدا إلى قمة الجزيرة خلف المنزل، وهناك وجدا ويليام هنري بلور واقفاً ينظر إلى الشاطئ، وحين رآهما قال: لا أثر للقارب البخاري حتى الآن، كنت أرقب الشاطئ بحثاً عنه.
فقالت فيرا مبتسمة: ديفون منطقة يحبّ أهلها النوم، والأمور هنا تتأخر عادة.
وكان فيليب لومبارد ينظر إلى البحر في الاتجاه المعاكس فقال فجأة: ما رأيكم في الطقس؟
نظر بلور إلى السماء وقال: يبدو لي جيداً.
وصفر لومبارد بفمه وقال: ستهبّ الريح قبل نهاية اليوم.
قال بلور : أتعني عاصفة؟
ثم تناهى إليهم صوت جرس يأتي من أسفل فقال فيليب لومبارد: الإفطار؟ حسناً، أنا بحاجة إليه.
وفيما كانوا يهبطون المنحدّر الحادّ قال بلور للومبارد بنبرة تأمّل: أتعرف؟ تحيرّني مسألة ما. لماذا أراد ذلك الشابّ وضع حدّ لحياته؟ ! لقد كنتُ أفكر في الأمر طول الليل.
كانت فيرا تتقدمهما ، فتباطأ لومبارد قليلاً وقال: هل لديك نظرية أخرى؟
- أحتاج إلى بعض الإثباتات. لا بدّ من وجود حافز أولاً، وهو كان رجلاً ميسور الحال فيما أعتقد.
وأطلّت عليهم إميلي برنت من نافذة غرفة الجلوس فسألت: هل القارب قادم؟
فقالت فيرا: ليس بعد.
ثم دخلوا إلى قاعة الإفطار حيث كان طبق واسع يحوي بيضاً وعلى الطاولة الجانبية رقائق مقلية من اللحم إضافة إلى الشاي والقهوة، وأمسك روجرز بالباب مفتوحاً لكي يدخلوا ثم أغلقه من الخارج.
فقالت إميلي برنت: ذلك الرجل يبدو مريضاً اليوم.
فتنحنح الطبيب الذي كان يقف إلى جوار النافذة وقال: عليكم تحمّل أية نواقص هذا الصباح؛ فقد تعيّن على روجرز أن يبذل كل ما في وسعه لإعداد الإفطار وحده لأن السيدة روجرز لم تستطع استئناف العمل هذا الصباح.
قالت إميلي برنت بحدّة: ما خطب هذه المرأة؟
فقال الدكتور آرمسترونغ بهدوء: دعونا نبدأ فطورنا؛ البيض سيبرد، وبعد الإفطار لديّ عدّة أمور أودّ أن أبحثها معكم.
وإذ وافقوه على ملاحظته أقبلوا يملؤون أطباقهم بالطعام وأقداحهم بالشاي والقهوة، وبدأت الوجبة، وبدا أنهم مجمعون على عدم التحدث عن أيّ شيء يخصّ الجزيرة ، وبدلاً من ذلك دار حديث متقطّع حول الأحداث، الجارية: الأخبار من الخارج، الأحداث الرياضية العالَمية، آخر الأنباء حول عودة وحش بحيرة نيس للظهور...
ثم رُفعت الأطباق، فدفع الدكتور آرمسترونغ كرسيّه إلى الوراء قليلاً وتنحنح بطريقة تثير الاهتمام وقال: رأيتُ من الأفضل أن أنتظر حتى تنتهوا من إفطاركم لأبلغكم بخير سيّئ. لقد ماتت السيدة روجرز في أثناء نومها.
حلّ عليهم ذهول وعلت أصواتهم بهمهمة جماعية، وقالت فيرا بدهشة: يا إلهي! حالنا موت على هذه الجزيرة منذ وصولنا!
- قال القاضي وارغريف وعيناه تضيقان وبصوت خفيض وواضح ودقيق: أمر عجيب جداً! ماذا كان سبب موتها؟
هزّ الدكتور آرمسترونغ كتفيه وقال: من المستحيل معرفة ذلك في التوّ.
- لا بدّ من إجراء تشريح.
- بالتأكيد لا أستطيع إعطاء شهادة؛ فليس لديّ أيّ معرفة بحالة المرأة الصحيّة.
قالت فيرا : كانت تبدو امرأة عصبية للغاية، وقد تلقّت صدمة أمس. قد يكون السبب نوبة قلبية.
قال الدكتور آرمسترونغ بجفاء: مؤكد أن قلبها قد توقف عن النبض، ولكن ما سبب توقفه عن النبض؟ هذا هو السؤال.
وأفلتت كلمة واحدة من إميلي برنت وقعَت بشدّة ووضوح على المجموعة المصغية إذ قالت: الضمير.
فالتفت إليها آرمسترونغ وقال: ماذا تقصدين بالضبط يا آنسة برنت؟
قالت إميلي برنت بحزم وشدّة: لقد سمعتم جميعاً، لقد اتُهِمت مع زوجها بتدبير اغتيال مستخدِمتها السابقة السيدة العجوز.
- وهل تعتقدين هذا؟
- أعتقد أن الاتهام كان صحيحاً؛ لقد رأيتموها جميعكم الليلة الماضية حين انهارت وغابت عن الوعي، فقد كانت صدمة كشُف عملها الشرير أكبر من أن تحتملها. لقد ماتت من الخوف فعلياً.
هزّ الدكتور آرمسترونغ رأسه متشككاً وقال: إنها نظرية محتَملة، ولكن المرء لا يستطيع تبنّي نظرية كهذه دون معرفة دقيقة بحالتها الصحية وما إذا كان لديها ضعف في القلب مثلاً.
قالت إميلي برنت: سمّه تدبيراً ربانياً إن شئت.
بدت الصدمة على الجميع وقال السيد بلور بقلق: هذه مبالَغة في الأمور يا آنسة برنت.
نظرَت إليهم بعينين لامعتين وارتفع ذقنها وهي تقول: أتعتبرون من المستحيل أن يتعرض خاطئ لغضب الله؟ أنا لا أعتقد ذلك.
مسح القاضي ذقنه وغمغم: سيدتي العزيزة، من خلال خبرتي في الجريمة وجدت أن مهمّة إثبات الجرم وإيقاع العقاب أمورٌ مَنوطة بناء نحن البشر، وهذه المهمّة محفوفة بالمخاطر، ولا توجَد طرق مختصَره لإنجازها.
فهزّت إميلي برنت كتفيها وقال بلور بحدّة: ماذا أكلت أو شربت الليلة الماضية بعد أن ذهبت إلى سريرها؟
فقال آرمسترونغ: لاشيء.
- ألم تتناول أيّ شيء؛ كوب شاي أو كوب ماء مثلاً؟ أراهنك أنها تناولت كوب شاي فهي من نوع النساء اللاتي يفعلن ذلك دائماً.
- لقد أكّد لي روجرز أنها لم تتناول شيئاً على الإطلاق.
وقال بلور: آه ، طبعاً ، من المتوقَّع أن يقول شيئاً كهذا.
كانت نبرته عميقة الدلالة بحيث نظر إليه الطبيب بحدّة، وقال فيليب لومبارد: أهذا ما تظنه إذن؟
فقال بلور بلهجة عدائية: حسناً، لِمَ لا؟ لقد سمعنا جميعاً ذلك الاتهام ليلة أمس، وقد يكون كله كلاماً فارغاً ومحض ثرثرة حمقاء، ولكن – من جهة أخرى – قد لا يكون الأمر كذلك. لنفترض للحظة أن الاتهام صحيح وأن روجرز وزوجته قتلا تلك السيدة، فماذا بعد؟ لقد غمرهما إحساس بالسلام والطمأنينة و...
قاطعته فيرا وقالت بصوت خفيض : لا ، لا أظن أن السيدة روجرز شعرت بالأمان قط.
بدا بلور منزعجاً بعض الشيء لمقاطعته ولمحها بنظرة كمن يقول: أنتنّ النساء ! ثم استأنف حديثه قائلاً: هذه احتمالات على أيّ حال. لم يكونا يعرفان أن الخطر يحيط بهما، ثم جاء يوم أمس وخرج ذلك الصوت الأحمق وكشف الأمر، فماذا حدث ؟ انهارت المرأة وتحطمت. هل لاحظتم كيف كان زوجها يخفيها عن أعيننا عندما بدأت تفيق من إغماءتها؟ لم يكُن ذلك كله قلقاً على زوجته، بالتأكيد لا ، بل كان مرعوباً حتى الموت مما يمكن أن تقوله زوجته.
ثم أخذ نفساً عميقاً وعاد يقول: دعوني أشرح الوضع لكم: لقد ارتكبا جريمة ولم يُكشف أمرهما، ولكن إذا كان سيتمّ نبش المسألة من جديد فماذا سيحدث؟ الاحتمال الأغلب بنسبة عشرة إلى واحد أن المرأة ستنهار وتعترف؛ فهي لا تملك الأعصاب التي تجعلها تتصدى للتهمة بقوة، أيّ أنها قنبلة موقوتة بالنسبة لزوجها. نعم، هي كذلك، أمّا زوجها فليس لديه مشكلة؛ فبوسعه الكذب بوجه جامد حتى يوم القيامة، ولكنه لا يستطيع الاطمئنان إليها لأنها إذا انهارت فستكون حياته في خطر. لهذا يدسّ لها شيئاً في كوب الشاي، وبذلك يضمن إغلاق فمها إلى الأبد.
قال آرمسترونغ ببطء: لم يكُن إلى جانب سريرها قدح فارغ، لم يكُن هناك شيء على الإطلاق، لقد نظرت بنفسي.
فقال بلور ساخراً: بالطبع لم يكُن هناك شيء. أول ما هو متوَّقع منه أن يقوم به بعد أن شربَت ما في القدح هو أن يأخذه مع صحته ويغسله جيّداً.
ساد الصمت هنيهة ثم قال الجنرال ماك آرثر مشككاً: قد يكون الأمر كذلك، ولكن من الصعب عليّ أن أصدق أن رجلاً قد يفعل شيئاً كهذا لزوجته.
فأطلق بلور ضحكة قصيرة وقال: عندما تكون حياة رجل في خطر فهو لا يتوقف كثيراً للتفكير في العواطف.
ثم حلّ الصمت فترة أخرى، وقبل أن يستأنف أحد الحديث فُتح الباب ودخل روجرز وقال وهو ينقل بصره بينهم: هل يمكنني تقديم شيء آخر لكم؟
فتحرك القاضي وارغريف قليلاً في كرسيه وسأله: متى يأتي ذلك القارب البخاري عادة؟
- بين السابعة والثامنة يا سيدي، وأحياناً بعد الثامنة بقليل.
لا أعرف ما الذي أخّر فريد ناراكوت هذا الصباح! لو كان مريضاً لأرسل أخاه.
فسأله فيليب لومبارد: كم الساعة الآن؟
- العاشرة إلاَ عشر دقائق يا سيدي.
فارتفع حاجبا لومبارد وهزّ رأسه متأملاً، وانتظر روجرز دقيقة أو اثنتين، ثم تكلم الجنرال ماك آرثر فجأة وباندفاع فقال: أنا آسف لسماع هذه الأخبار عن زوجتك يا روجرز، كان الدكتور يخبرنا بذلك للتوّ.
فأطرق روجرز برأسه وقال: شكراً لك يا سيدي.
ثم أخذ الطبق الفارغ وخرج، وحلّ الصمت مرة أخرى.
-4-
في الشرفة الخارجية قال فيليب لومبارد: بخصوص هذا القارب البخاري... فنظر إليه بلور وهز رأسه قائلاً: أعرف في أي شيء تفكر يا سيد لومبارد. لقد وجهّت لنفسي السؤال ذاته، ذلك القارب كان يجب أن يكون هنا قبل ساعتين تقريباً ولكنه لم يصل، فلماذا ؟
فقال لومبارد: وهل عرفتك الجواب؟
- ليست هذه مصادفة، هذا ما أقوله. إنه جزء من الموضوع بكامله، الأحداث كلها يرتبط بعضها ببعض.
- إذن أنت لا تعتقد أنه سيأتي.
وجاء من خلفه صوت نزِق نافد الصبر يقول: القارب لن يأتي.
فاستدار بلور بكتفيه العريضتين ونظر إلى المتحدث الأخير متأملاً ثم قال: أتظن ذلك يا جنرال؟
فقال الجنرال ماك آرثر بحدّة: طبعاً لن يأتي. نحن نعتمد على أن يأتي القارب ويأخذنا من الجزيرة، هذه هي النقطة الأساسية، ولكننا لن نغادر هذه الجزيرة، لن يغادرها أيّ منّا أبداً. هذه هي النهاية، هل تدرك ذلك؟ نهاية كل شيء.
وتردّد قليلاً ثم قال بصوت منخفض غريب: هذا هو السلام، السلام الحقيقي؛ أن تصل إلى النهاية ، أن لا يكون عليك الاستمرار. نعم ، السلام.
ثم استدار فجأة وانصرف عابراً الشرفة، ثم انحدر باتجاه البحر ومشى حتى نهاية الجزيرة إلى حيث تناثرت أحجار متفرقة على أطراف الماء ، ومشى مختلّ التوازن قليلاً كما لو كان نصف نائم فقال بلور: ها هو شخص طيّب آخر يفقد عقله. يبدو أننا سننتهي جميعنا كذلك.
فقال فيليب لومبارد: لا أظن انك ستفقد عقلك يا بلور.
فضحك المفتش السابق وقال: " لن يكون ذلك سهلاً". ثم أضاف جاداً: ولا أظن أن هذا سيحدث لك أنت أيضاً يا سيد لومبارد.
فقال فيليب لومبارد: أشعر أنني بكامل قواي العقلية حتى الآن، شكراً لك.
-5-
خرج الدكتور آرمسترونغ إلى الشرفة ووقف هناك متردداً. كان عن يساره كلّ من بلور ولومبارد، وعن يمينه القاضي وارغريف يذرع المكان جيئة وذهاباً حانياً رأسه. وبعد فترة ترددّ استدرار آرمسترونغ باتجاه وارغريف، ولكن روجرز جاء في تلك اللحظة خارجاً من البيت بسرعة وقال له: هل أستطيع أن أكلمك على انفراد يا سيدي؟
فتحول آرمسترونغ إليه وقد جفل حين رآه. كان وجه روجرز في غاية الاضطراب وقد تحول لونه إلى أخضر رمادي وكانت يداه ترتجفان، بدا متناقضاً مع حالة تماسكه قبل دقائق قليلة مما أدهش آرمسترونغ تماماً. وقال روجرز: أرجوك يا سيدي، أريد أن أكلمك على انفراد في الداخل.
استدار الدكتور عائداً داخل البيت مع الخادم المضطرب وقال : ما الأمر يا رجل؟! تماسك وكن رابط الجأش.
- هنا يا سيدي ، تفضل هنا.
وفتح باب غرفة الطعام فدخل الطبيب وتبعه روجرز وأغلق الباب خلفه، وقال آرمسترونغ : حسناً ، ما الأمر؟
كانت عضلات حنجرة روجرز تتحرك في حين كان يبلع ريقه هلعاً، ثم انتفض وهو يقول: تجري هنا أشياء لا أستطيع فهمها يا سيدي!
فقال آرمسترونغ بحدّة: أشياء! أية أشياء؟
- ستظنني مجنوناً يا سيدي، ستقول إنها أمور سخيفة. ولكن يجب تفسير هذه الأشياء، يجب تفسيرها- يا سيدي- لأنها غير معقولة أبداً.
- حسناً أيها الرجل، ما هذه الأشياء؟ لا تواصل الحديث بالألغاز.
فبلع روجرز ريقه ثانية وقال: تلك التماثيل الصغيرة يا سيدي! تلك التماثيل الموضوعة وسط الطاولة، عشرة تماثيل، كان هناك عشرة منها، أقسم أنه كان هناك عشرة منها.
فقال آرمسترونغ: أجل ، عشرة؛ لقد أحصيناها الليلة الماضية عندما كنّا على العشاء.
فاقترب روجرز وقال: هذه هي المسألة يا سيدي. الليلة الماضية عندما كنت أنظف غرفة الطعام كان هناك تسعة يا سيدي! لقد انتبهت إليها وفكّرت بأنه أمر غريب، ولكن هذا كل ما خطر لي وقتها، والآن يا سيدي، هذا الصباح لم أنتبه إليها عند إعداد المائدة للإفطار ؛ كنت حزيناً مهموماً فلم أنتبه، أما الآن – يا سيدي – عندما أتيت لإعادة ترتيب المكان... انظر بنفسك إن لم تكُن تصدقني، يوجّد فقط ثمانية يا سيدي، ثمانية فقط! هذا غير معقول يا سيدي، هل هذا معقول ! ثمانية فقط!
How to Make Money on Gambling Online
ردحذفThis is an example of what it says: “Make หาเงินออนไลน์ money from gambling online, or online casino games.” A money game would 제왕 카지노 not be more 1xbet korean fun,