ثُمّ لَم يَبْقَ أحَدٌ
أجاثا كريستي
عشرة أشخاص لا يجمعهم أي قاسم
مشترَك ولا انسجامَ بينهم اجتذبتهم دعوة
غامضة إلى جزيرة مقفرة معزولة.
وفجأة خلال تناول العشاء دوّى تسجيلٌ
صوتي للمُضيف المجهول متّهِماً كل
واحد من الحضور بارتكاب جريمة...
ولا يلبث أول المدعوين أن يسقط ميتاً!
التوتر يتعاظم حينما يلاحظ المدعوون
أن القاتل ليس إلاّ واحداً منهم وأنه
جاهز للضرب من جديد. إنهم يتناقصون
واحداً بعد واحد، ثم... لم يبقَ أحد!
الفصل الأول
جلس القاضي وارغريف، الذي تقاعد من القضاء مؤخَّراً، على مقعده في عربة المدخّنين في الدرجة الأولى يدخّن لفافة ويقرأ باهتمام الأخبار السياسية في جريدة التايمز ، ثم وضع الصحيفة جانباً وأخذ ينظر من النافذة. كانوا يعبرون منطقة سومرست في تلك اللحظة، ونظر إلى ساعته فوجد أن بينه وبين الوصول ساعتين.
استعرض في ذهنه كل ما ظهر في الصحف حول " جزيرة الجنود " . في البداية ظهرت أخبار شرائها من قِبَل مليونير أمريكي مولَع باليخوت، ثم ذلك التحقيق عن البيت الفاخر حديث الطراز الذي بناه في تلك الجزيرة الصغيرة المواجهة لساحل ديفون ، ثم الحقيقة المؤسفة بأن الزوجة الثالثة الجديدة للمليونير الأمريكي لم تكُن بحّارة ماهرة ممّا أدّى إلى عرض البيت والجزيرة للبيع، فظهرت إعلانات برّاقة متنوعة عنها في الصحف. ثم جاءت أولى التصريحات المقتضّبة بأنها قد بيعت للسيد أوين ، وبعد ذلك بدأت الإشاعات الصحفية : لقد اشتُريَت " جزيرة الجنود " بالفعل بواسطة
نجمة أفلام هوليوود الآنسة غابرييل تيرل لقضاء بعض الشهور هناك بعيداً عن الأضواء، وألمحت إحدى الصحف إلى أنها ستصبح منزلاً للعائلة المالكة ، وقال أحد الصحفيين أنه أُسِرّ إليه بأنّها اشتُريَت لقضاء شهر عسل ، فاللورد الشاب "ل" قرر الزواج أخيراً! في حين أكّد صحفي آخر علمه يقيناً بأنها قد اشتُريَت من قِبَل سلاح البحرية بغرض إجراء بعض التجارِب شديدة السريّة فيها ... " جزيرة الجنود " كانت محلّ اهتمام الصحف بالتأكيد.
أخرج القاضي وارغريف من جيبه رسالة كانت مكتوبة بخطّ غير مقروء عملياً، ولكن بعض الكلمات هنا وهناك كانت واضحة بصورة غير متوقَّعة ، فقرأ فيها:
العزيز لورنس،
مضت سنوات دون أن أسمع منك شيئاً. يجب أن تأتي إلى " جزيرة الجنود " فهي مكان ساحر للغاية، ولدينا الكثير لنتحدث عنه: الأيام الخوالي، التواصل مع الطبيعة ، الاستمتاع بالشمس.. اركب قطار الواحدة إلا ثلثاً من محطة بادنغتون. سأقابلك في أوكبريدج.
ووقّعت المرسِلة بخط مزخرّف: المخلصة إلى الأبد: كونستانس كلمنغتون.
عاد القاضي وارغريف بتفكيره ليتذكر على وجه الدقة المرة الأخيرة التي رأى فيها. الليدي كونستانس كلمنغتون. لا بدّ أن ذلك كان قبل سبع... لا، بل ثماني سنوات، وكانت وقتها في رحلة إلى إيطاليا للاستمتاع بالشمس والتواصل مع الطبيعة، ثم علم فيما بعد أنها سافرت من هناك إلى سوريا حيث رأت ان تسترخي تحت أشعة شمس أقوى وتتمتع بالتواصل مع الطبيعة والبدو. وخطر له أن كونستانس كلمنغتون كانت تماماً من ذلك النوع من النساء اللاتي قد يشترين جزيرة ويُحِطُن أنفسهنْ بالغموض. وإذ ارتاح القاضي وارغريف لهذا المنطق سمح لرأسه بالانحناء فوق صدره، ثم نام.
-2-
في عربة بالدرجة الثالثة فيرا كلايثورن برأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها، وكان في العربة خمسة ركّاب آخرين. كان لطيفاً أن يذهب المرء إلى البحر في ذلك الجو الحار ذلك اليوم. لقد كانت محظوظة حقاً بالحصول على هذه الوظيفة، فمن الشائع عند البحث عن وظيفة في المَصيف أن ذلك يعني دائماً العناية بمجموعة من الأطفال، أما وظائف السكرتارية فكان من الصعب العثور عليها، حتى وكالة التوظيف لم تكُن تأملى كثيراً بذلك. ثم جاءتها رسالة كان فيها:
تلقّيتُ اسمك عن طريق وكالة "النساء الماهرات" مع توصية بك، وحسبما فهمت فهم يعرفونك شخصياً. يسرّني أن أخبرك بأنني سأدفع لك الراتب الذي طلبتِه، وأتوقع منك مباشرة العمل يوم 8 آب (أغسطس). يمكنك أخذ قطار الساعة الواحدة إلاّ الثلث من بادنغتون، وسوف تجدين مَن يستقبلك في محطة أوكبريدج، وأرفق طيّه خمسة أوراق نقدية من فئة الجنية لمصروفاتك.
المخلصة: أونا نانسي أوين
وفي أعلى الرسالة كان العنوان مختوماً: جزيرة الجنود، ستيكلهيفن، ديفون.
جزيرة الجنود! عجيب أنّ الصحف لم تذكر سواها مؤخَّراً، وكانت حافلة بكل التلميحات والإشاعات المثيرة للفضول مع أنها لم تكُن صحيحة على الأرجح، ولكن المنزل بناه مليونير بالتأكيد، وقد قيل إنه كان غاية في الفخامة.
فيرا كلايثورن، التي كانت قد قضت لتوّها موسماً دراسياً شاقاً في المدرسة، قالت بينها وبين نفسها: إنه لأمر أن أكون معلّمة تربية رياضية في مدرسة من الدرجة الثالثة. ليتني أستطيع الحصول على وظيفة في مدرسة محترمة!
ثم فكّرت وقد غمرها شعور بالسكينة: ولكني محظوظة بهذه الوظيفة على أية حال، فالناس لا يحبون التحقيقات الجنائية ، حتى لو أن المحقّق أبرأني من كل تهمة.
بل لقد تذكّرَت أن المحقّق أثنى عليها لشجاعتها وحضور ذهنها، فلم يكُن ممكناً أن يجرى تحقيق على نحو أفضل من ذلك، كما أن السيدة هاملتون كانت اللطف بذاته معها. فقط هوغو... ولكنها لا تردي التفكير بهوغو.
وفجأة أخذّت ترتعش رغم حرارة العربة، وتمنّت لو لم تكُن ذاهبة إلى البحر، فقد برزت في مخيلتها، صورة واضحة: رأس سيريل يعلو ويهبط سابحاً نحو الصخرة ... أعلى وأسفل ، أعلى وأسفل ، وهي تسبح برشاقة خلفه شاقّة طريقها وسط الماء مع علمها الأكيد أنها لن تصل في الوقت المناسب.
البحر بمياهه الزرقاء العميقة الدافئة والاستلقاء على الرمال ساعات الصباح، وهوغو، هوغو الذي قال إنه يحبها، ولكنها يجب أن لا تفكر بهوغو.
فتحت عينيها وقطّبت جبينها حين وقعت عيناها على الرجل المقابل لها. كان رجلاً طويلاً حنطيّ الوجه ذا عينين باهتتين متقاربتين وفم متعجرف يصل إلى حد القسوة، فقالت لنفسها: يبدو انه زار مناطق مثيرة في العالَم وشاهد أشياء مدهشة.
-3-
ألقى فيليب لومبارد نظرة خاطفة على الفتاة الجالسة أمامه مكوّناً عنها انطباعاً سريعاً، وفكّر قائلاً لنفسه: إنها فتاة جذّابة. ربما كانت معلّمة، ويبدو أنها ذات شخصية هادئة من النوع الذي يحافظ على تماسكه في الحب أو في الحرب.
ثم قطّب مفكّراً وعاد يقول لنفسه: دعك منها: أنت في عمل ولا بدّ من التركيز على المهمة.
ثم تساءل: ما هذا الموضوع بالضبط؟! لقد كان ذلك المُرابي الضئيل غامضاً تماماً حين قال: كابتن لومبارد ، إما أن تقبل أو ترفض.
فقال لومبارد وهو مستغرق في التفكير: مئة جنيه؟ حسناً.
قالها لومبارد بلامبالاة كأنما مبلغ مئة جنيه لم يكُن شيئاً بالنسبة له، مئة جنيه في الوقت الذي كان لا يملك فيه سوى ثمن وجبته الأخيرة، إلاّ أنه شعر بأن ذلك الرجل الضئيل لم يُخدَع. كانت هذه هي الخاصية اللعينة لهذا النوع من الناس ؛ ليس بوسعك خداعهم في مسألة تتعلق بالمال فهم يعرفون كل ما يتعلق به!
قال له لومبارد باللهجة اللامبالية نفسها: هل تستطيع تزويدي بأي معلومات أخرى؟
هزّ السيد إيزاك موريس رأسه الأصلع الصغير قائلاً: لا يا كابتن لومبارد، المسألة استقرّت على هذا النحو. موكلّي يعتقد أنك رجل ذو سمعة محترَمة وفي وضع حرِج، وأنا مخوَّل بتسليمك مئه جنيه مقابل أن تسافر إلى ستيكلهيفن في مقاطعة ديفون، أقرب محطة قطار هي أوكبريدج، وهناك ستجد من يقابلك ويقلّك بالسيارة إلى ستيكلهيفن، وفيها ستجد قارباً آلياً ينقلك إلى " جزيرة الجنود " ، وهناك يتعيّن عليك أن تضع نفسك تحت تصرّف موكّلي.
قال لومبارد فجأة: لأيّ مدة من الزمن؟
- لمدة لا تزيد عن أسبوع على أبعد تقدير.
قال لومبارد وهو يمرّر أصابعه على شواربه الصغيرة: هل تدرك أنّي لا أستطيع التعهد بأيّ شيء غير قانوني؟
قال ذلك وهو يلقي نظرة حادّة على الرجل الآخر، وافترّت شفتا السيد موريس الغليظتان عن ابتسامة باهتة للغاية وقال بهدوء: إذا طُرح عليك أيّ اقتراح حول أمر غير قانوني فلك مطلّق الحرية في الانسحاب.
سحقاّ لهذا الحيوان الضئيل الماكر ! يبتسم وكأنما يعرف جيداً أن القانون لم يكُن مسألة ذات شأن في سلوكيات لومبارد الماضية. وافترّت شفتا لومبارد عن ابتسامة حانقة؛ لقد خاطر مرة أو اثنتين ولكنه كان يخرج سالماً دائماً ، ولم يواجه الكثير من الخطوط الحمراء التي رسمها لنفسه حقّاً. نعم لم يواجه خطوطاً حمراء كثيرة يقف عندها. وخُيّل إليه أنه سيستمتع بإقامته في " جزيرة الجنود " .
-4-
جلست الآنسة إميلي برنت في عربة غير المدخّنين في جلستها المنتصبة المعتادة، كانت عانساً في الخامسة والستين ولم تكّن تقبل بالاسترخاء أو الميوعة، فقد كان والدها ( وهو كولونيل من الجيل القديم ) يهتمّ بشكل خاصّ بالسلوك واللباقة، أمّا أبناء الجيل الحالي فلا يبالون بسلوكهم أو بأيّ شيء آخر.
وهكذا جلسَت الآنسة برنت في عربة مكتظة في الدرجة الثالثة غير مبالية بقلّة الراحة أو بالحرارة ، تحيط بها هالة من الاستقامة والالتزام المطلَق بالمبادئ. كل الناس يتذمّرون من كل شيء في هذه الأيام ، يريدون مخدّراً قبل خلع أضراسهم، ويأخذون حبوباً منوّمة إذا لم يستطيعوا النوم، ويريدون مقاعد وثيرة ووسائد، أما البنات فيمشين سافرات خليعات كيفما اتفق ويستلقين في الصيف على الشواطئ بلا خجل.
زمّت الآنسة برنت شفتيها. كان بودّها أن تجعل بعضهم عبرة للآخرين. وتذكّرَت عطلة صيف العام الماضي، لكن هذه السنة ستكون مختلفة تماماً، ستكون في " جزيرة الجنود " . واستعادت بذهنها قراءة الرسالة التي قرأتها عدّة مرات من قبل:
عزيزتي الآنسة برنت،
آمل أن تتذكريني. لقد كنّا معاً في نُزُل بيلهافن في شهر آب ( أغسطس) قبل بضع سنوات، وكان يبدو أن لدينا الكثير من الاهتمامات المشتركة.
لقد افتتحتُ نُزُلاً اشتريتُه على جزيرة قبالة ساحل ديفون، وأعتقد أن مكاناً تتوفر فيه وجبات تقليدية جيّدة وشخص طيّب من الطراز القديم سيكون مكاناً مرغوباً، ولن تزعجناً الموسيقى الصاخبة التي تنطلق في جوف الليل، سأكون في غاية السعادة لو جئتِ لقضاء إجازة الصيف في " جزيرة الجنود " ، مجاناً وفي ضيافتي. هل يناسبك أوائل آب (أغسطس)؟ فليكن الثامن منه.
المخلصة: أ.ن.أ.
وتساءلت إميلي برنت بصبر نافد بينها وبين نفسها: ما هذا الاسم؟ كان من الصعب معرفته من خلال الأحرف التي وُقّع بها، كم من الناس مَن يوقعون أسماءهم بطريقة غير مفهومة أبداً!
وسمحت لخيالها بالعودة إلى الوراء لاستعراض الأشخاص الذين التقت بهم في بيلهافن، كانت هناك خلال صيفين متتاليَين، وكانت هناك تلك العانس الطيبة متوسطة العمر، الآنسة ...... الآنسة..... ماذا كان اسمها؟ والدها كان كاهناً. وكانت هناك سيدة اسمها أولتن.. أولمن، لا ، بالتأكيد أوليفر. أجل ، أوليفر.
جزيرة الجنود؟ كان في الصحيفة شيء حول جزيرة الجنود،
شيء عن نجمة سينمائية أو ربما كان عن مليونير أمريكي... طبعاً، أماكن كهذه تُباع رخيصة غالباً. إن الجزر لا تناسب كلّ الناس، فهم يعتقدون أنها رومَنسية ولكن إذا جاؤوا للعيش فيها فإنهم يكتشفون مساوئها ولا تكاد تسعهم السعادة عند بيعها.
قالت إميلي برنت لنفسها: ولكني سأقضي إجازة مجّانية على أيّة حال.
كان ذلك شيئاً لا بدّ من آخذه في الاعتبار في ضوء الانخفاض الكبير في دخلها والكثير من العوائد التي لم تُدفَع. فقط تمنت لو أنها تستطيع أن تتذكر المزيد عن السيدة أو الآنسة أوليفر.
-5-
نظر الجنرال ماك آرثر من نافذة العربة، وكان القطار يدخل محطّة إكستر حيث سيغيّر إلى قطار آخر، سحقاً لقطارات الخطوط الفرعية هذه! ذلك المكان، جزيرة الجنود، ليس بعيداً أبداً لو استطعت الذهاب إليه في خط مستقيم كما تطير الغربان! لم يكُن قد اتضح له مَن هذا الشخص أوين؟ يبدو أنه صديق سبوف ليغارد أو جوني داير. تذكّر تلك الجملة: " ... سيأتي واحد أو اثنان من رفاقك القدماء للتحدث عن الأيام الخوالي ". حسناً، سيكون التحدث عن الأيام الخوالي ممتعاً. لقد خُيّل إليه مؤخَّراً أن الرفاق يتجنبونه، وكل ذلك بسبب تلك الإشاعة اللعينة، كم كان ذلك قاسياً! لقد مرّ على ذلك ثلاثون عاماً. هل تكلم أرمتياج؟ ما الذي يعرفه ذلك الجرو الصغير الملعون؟ على أيّة حال ما جدوى
استرجاع هذه الأمور الآن؟ أحياناً تخطر للمرء أشياء غريبة، يخطر لك أن أحدهم ينظر إليك بشكر مريب.
سيكون من الممتع له أن يشاهد " جزيرة الجنود" هذه. لقد سمع الكثير من الحديث حولها، ويبدو أن في الأمر شيئاً من الصحّة في الإشاعة حول امتلاكها من قِبَل سلاح البحرية أو وزارة الدفاع أو سلاح الجو. الواقع أن المليونير الأمريكي الشابّ إلمر روبسون قد أقام المبنى في ذلك المكان وأنفق عليه الآلاف كما يُقال وجهّزه بكل وسائل الرفاهية.
إكستر، والانتظار لمدة ساعة! ولكنه لا يريد الانتظار بل يودّ لو يستمر في السفر.
-6-
كان الدكتور آرمسترونغ يقود سيارته الموريس عبر سهل سالزبوري وهو متعَب جداً، فالنجاح له ضريبته. لقد مرّت أوقات جلس فيها في عيادته في شارع هارلي بكامل هندامه محاطاً بأحدث المعدات وأفخر الأثاث ينتظر وينتظر، ومرّت الأيام خاوية وهو ينتظر لمشروعه أن ينجح أو يفشل.
حسناً، لقد نجح، وقد كان محظوظاً وماهراً بالطبع. كان ماهراً في عمله، ولكن ذلك لم يكُن كافياً للنجاح، فلا بدّ أن يكون لديك حظ أيضاً. وقد كان لديه الحظ: تشخيص دقيق، مريضتان ممتنْتان ، امرأتان ذواتا مال ومكانة مرموقة ، ثم انتشرت سمعته: " عليكِ أن تجرّبي آرمسترونغ؛ إنه شابّ صغير ولكنه حاذق للغاية، لقد جرّبَت بام كل الأطباء من قبل لسنوات عدّة ولكنه وحده عرف مرضها في الحال...". وهكذا بدأت كرة الثلج تتدحرج.
لقد نجح الدكتور آرمسترونغ بالتأكيد، أصبحّت أيامه الآن مشغولة تماماً ولم يعُد لديه وقت للاسترخاء، ولهذا فقد كان سعيداً في صباح ذلك اليوم من شهر آب (أغسطس) وهو يغادر لندن لقضاء بضعة أيام في جزيرة قبالة ساحل ديفون. لم تكُن عطلة تماماً ، فقد كانت الرسالة التي تلقّاها غامضة العبارات، مع أن الشيك المرافق للرسالة لم يكُن فيه أيّ غموض. لقد كان مبلغاً مجزياً؛ لا بدّ أن عائلة أوين هذه من المتخَمين بالمال!
بدت المسألة كأنها مشكلة صغيرة تتعلق بزوج قلق على صحة زوجته ويريد تقريراً عنها دون إثارة انتباهها، فهي لا تتقبل فكرة عرضها على طبيب لأن أعصابها لا...
ارتفع حاجباه بدهشة. أعصابها؟ يا لهؤلاء النسوة وأعصابهن! حسناً، كان ذلك ملائماً لعمله على أيّة حال، فتصف النساء اللاتي كنّ يزُرن عيادته لم تكن لديهنّ مشكلة سوى الملل، ولكنهنّ لا يسعدن إن أخبرتهن بذلك. وفي العادة كان باستطاعته أن يجد لديهن شيئاً ما: اضطراب خفيف، في...( يختار كلمة ما طويلة)، ليس بالأمر خطير، فقط تحتاجين إلى بعض العناية مع علاج بسيط.
إن العلاج يعتمد على الطبيب في الواقع، والدكتور آرمسترونغ كان رجلاً ودوداً يستطيع بثّ الآمل والثقة في نفوس مرضاه. لقد كان من حسن حظه أن استطاع السيطرة على نفسه في الوقت المناسب.
بعد تلك القضية التي حدثت قبل عشرة أعوام... لا، بل قبل خمسة عشر عاماً، وكادت أن تكون كارثة! كاد أن ينهار ولكن الصدمة جعلته يتماسك. لقد أقلع عن الشراب تماماً ، ومع ذلك فقد كادت أن تكون كارثة!
في تلك اللحظة عبرت سيّارة رياضية ضخمة من نوع سوبر سبورت من جانبه بسرعة ثمانين ميلاً في الساعة مطلقة بوقاً يصمّ الآذان، الأمر الذي جعل الدكتور آرمسترونغ يكاد يصطدم بالأشجار على جانب الطريق. لا بدّ أنه أحد هؤلاء الشبّان الطائشين الذين يقودون سياراتهم بتهوّر. كم يكرههم! كادت أن تلحقة كارثة. سحقاً لذلك الشابّ الطائش.
-7-
راح توني مارستون يفكر بينه وبين نفسه فيما كان يقود سيّارته في مير. كل هذه السيارات تزحف في الشوارع ببطء... إنه لأمر فظيع؛ دائماً يقودون سياراتهم وسط الطريق معترضين طريقك. إن قيادة السيارات في إنكلترا حالة ميؤوس منها على أية حال، بعكس فرنسا حيث يكون بوسع المرء أن ينطلق انطلاقاً سريعاً.
هل ينبغي له أن يتوقف هنا ليشرب شيئاً أم يواصل سيره؟ لديه الكثير من الوقت، بقي له فقط ما يزيد قليلاً على مئة ميل وهو يحتاج لتناول شيء المرطّبات في هذا اليوم القائظ.
لا بد أن هذه الجزيرة مكان ممتع إذا استمر الطقس على حاله. تساءل في نفسه: من تكون عائلة أوين هذه؟. لا بدّ أنهم أغنياء إلى حد التخمة. إن بادغر ماهر في اكتشاف هذا النوع من الناس. طبعاً لا بدّ لهذا الشابّ البائس من أن يكون قادراً على ذلك في وضعه المفلس.
وعاد يقول لنفسه: لنأمل أنهم سيكونون كرماء، فلا أحد يعرف طباع هؤلاء الذين كوّنوا ثرواتهم بنفسهم ولم يولدوا أغنياء.
وتمطّى وهو يغادر المقهى وتثاءب ونظر إل السماء الزرقاء، ثم ركب سيارته الفارهة، نظر إليه بعض الحاضرين بإعجاب؛ فقد كانت له قامة متناسقة بطول ستة أقدام وشعر ناعم وعينان زرقاوان ووجه لوّحته الشمس. انطلق مزمجراً بسيارته في الشارع الضيق فتتقافز كهول وصبيان سعياً للنجاة بأنفسهم، ولكن الصبة تابعوا السيارة بنظرات الإعجاب.
-8-
كان السيد بلور راكباً في القطار البطيء الذي غادر بلايموث، وكان معه شخص آخر فقط في العربة، رجل مهذَّب عجوز ذو عينيَن متعَبتين يبدو عليه أنه قضى معظم عمره في البحار، وكان في تلك اللحظة نائماً. كان السيد بلور يكتب بعناية في دفتر ملحوظات صغير وتمتم لنفسه: هذه هي المجموعة، إميلي برنت، فيرا كلايثورن الدكتور آرمسترونغ، أنتوني مارستون، القاضي العجوز وارغريف، فيليب لومبارد، الجنرال ماك آرثر حامل وسام سينت جيمس وسينت جورج ووسام الخدمة المميَّزة، والخادم وزوجته السيد والسيدة روجرز.
أغلق الدفتر ووضعه في جيبه ونظر باتجاه الزاوية والرجل النائم وغمغم مشخّصاً بدقّة: " يوجد واحد فوق الثمانية". ثم استعرض الأمور بعناية وبوعي تامّ وتمتم متأملاً: مهمة سهلة، من الصعب أن أقع في خطأ آمل أن أبدو في وضع جيّد.
ثم هبّ واقفاً وأخذ يتفحص نفسه بقلق في زجاج النافذة. كان وجهه يعكس مظهراً عسكرياً بعض الشيء، وكان ذا شارب وقليل من التعبير، وكانت عيناه رماديتين ومتقاربتين إلى حد ما. قال السيد بلور: يمكن أن أزعم بأنني ميجور، لا ، لقد نسيت، العسكري العجوز سيكتشفني على الفور. جنوب إفريقيا.... نعم ، سأكون من جنوب إفريقيا فلا أحد من هؤلاء الناس له صلة بجنوب إفريقيا، وسيكون بوسعي التحدث عنها بصورة جيدة بعد أن قرأت ملف الرحلات هذا.
كان يوجَد – لحسن الحظ – أنواع شتّى من رجال المستعمَرات، وكرجل ثري من جنوب إفريقيا أحسّ السيد بلور أن بوسعه الاندماج في أيّ وسط اجتماعي دون إثارة أيّ ارتياب.
جزيرة الجنود! ها هو يتذكّر " جزيرة الجنود" أيام كان صبياً، صخرة نتنة الرائحة تقف عليها طيور النورس على بعد ميل من الشاطئ تقريباً. إنها لفكرة غريبة أن يذهب أحد ويبني بيتاً عليها، فهي مكان فظيع في الطقس السيّئ، ولكنّ لأصحاب الملايين نزوات كثيرة.
أفاق الرجل القابع في الزاوية وقال: لا يمكن التنبؤ بالطقس في البحر أبداً.
قال السيد بلور ملاطفاً: هذا صحيح، لا يمكن.
ثم شهق العجوز مرتين وقال باكتئاب: أشعر بعاصفة قادمة.
قال السيد بلور: لا يا صاحبي، بل هو يوم جميل.
فغضب العجوز وقال : بل هي قادمة ، أستطيع أن أتشمّمها.
قال السيد بلور مهدّئاً: قد تكون على حق.
وقف القطار في المحطة فنهض العجوز مترنحاً وقال: سأنزل هنا.
نهض ببطء فساعده السيد بلور، ووقف الرجل بالباب فرفع يده بوقار ثمّ غمز بعينيه المتعبتين وقال: ترقّب وادعُ؛ إن يوم الحساب وشيك. ثم نزل من الباب إلى الرصيف ونظر إلى السيد بلور ثانية وقال بوقار شديد: أنا أكلمك أنت أيها الشاب، إن يوم الحساب سيحلّ قريباً. فقال السيد بلور لنفسه وهو يعود إلى مقعده: هو أقرب إلى يوم الحساب منّي.
ولكن الأحداث أثبتت أنه كان على خطأ!
* * *
الفصل الثاني
خارج محطة أوكبريدج وقف حشد من الناس يبدو عليهم شيء من الحيرة، وخلفهم وقف حمّالون معهم حقائب سفر، وصاح صوت من بينهم : جيم.
فتقدم أحد سائقي سيارات الأجرة وقال بلهجة أهل ديفون الرقيقة: هل بينكم من يريد الذهاب إلى جزيرة الجنود؟
ردّت أربعة أصوات بالإيجاب، ثم ما لبثوا أن تبادلوا نظرات متشكّكة، فوجّه السائق كلامه إلى القاضي وارغريف باعتباره أكبر المجموعة سنّاً وقال: توجد هنا سيارتان يا سيدي، إحداهما يجب أن تنتظر حتى يصل القطار البطيء من إكستر بعد نحو خمس دقائق من الآن، وسيصل رجل واحد في ذلك القطار. هل يستطيع أحدكم الانتظار إن لم يكُن لديه مانع؟ سيكون ذلك مريحاً أكثر لكم.
وبدافع من إدراكها أنها تمثل دور السكرتيرة قالت فيرا كلايثورن على الفور: أنا سأنتظر، إن أردتم أنتم الذهاب.
أوحت نظرتها ولهجتها بشيء من السلطة المكتسّبة من تعوّدها ممارسة منصب قياديّ، وبدت كما لو كانت توجّه مجموعة من الفتيات وهنْ يلعبن التنس.
قالت الآنسة برنت بلهجة جافة: " شكراً ". ثم دخلت سيارة كان سائقها يمسك بابها المفتوح بيده، وتبعها القاضي وارغريف في حين قال الكابتن لومبارد: سأبقى مع الآنسة...
قالت فيرا: كلايثورن.
- اسمي لومبارد ، فيليب لومبارد.
كان الحمّالون يضعون الحقائب داخل سيارة الأجرة حين قال القاضي وارغريف بتحفّظ رجل قانون: لدينا طقس جميل اليوم.
فردّت الآنسة برنت: أجل، هذا صحيح.
وفكّرت بينها وبين نفسها بأن هذا العجوز تبدو عليه سمات الرجال الفضلاء الذين يختلفون تماماً عن نوعيات هؤلاء الذين يرتادون فنادق الشواطئ. يبدو أن السيدة أو الآنسة أوليفر ذات علاقات جيدة. قال القاضي وارغريف مستفسراً: هل تعرفين هذه المناطق جيداً؟
- سبق أن زرت كورنوول وتوركاي، ولكن هذه أول زيارة لي إلى هذا الجزء من ديفون.
قال القاضي: وأنا أيضاً لست ملّماً بهذه المنطقة.
تحركَت سيارة الأجرة فقال سائق السيارة الثانية: هل تريدون الجلوس في أثناء انتظاركم؟
فردّت فيرا بحزم: لا.
ابتسم الكابتن لومبارد وقال: ذلك الحائط المشمس يبدو أكثر جاذبية، إلا إذا أردت الدخول إلى المحطة.
- في الواقع لا أريد؛ فمن المبهج أن يخرج المرء من جو ذلك القطار الخانق.
- أجل، السفر بالقطار متعب في هذا الطقس.
قالت فيرا: آمل أن يدوم هذا... أعني الطقس. إن صيفنا الإنكليزي مخادع للغاية!
سأل لومبارد بنبرة يُعوِزها الصدق قليلاً: هل تعرفين هذا الجزء من العالَم جيداً؟
- لا ، لم آتِ هنا من قبل.
ثم أضافت بسرعة وهي عازمة على توضيح موقفها في التوّ: ولا حتى شاهدت مستخدمي بعد.
- مستخدِمك؟
- نعم، أنا سكرتيرة السيدة أوين.
- آه ، فهمت.
ثم ران عليه هدوء واضح وأصبح أكثر اطمئناناً ولهجته أكثر ارتياحاً وقال: أليس هذا غريباً نوعاً ما؟
فضحكت فيرا وقالت : لا أظنه غريباً؛ لقد مرضَت سكرتيرتها فجأة فأبرقَت إلى وكالة توظيف تطلب بديلة لها، فأرسلوني.
- هكذا كان الأمر إذن؟ ولكن ماذا لو لم تعجبك الوظيفة عندما تصلين هناك؟
ضحكت فيرا ثانية وقالت: إنها وظيفة مؤقَّتة على أي حال؛ وظيفة صيفية ، ولديّ وظيفة دائمة في مدرسة بنات. أنا في الواقع مشتاقة بشدة لرؤية " جزيرة الجنود " ؛ فقد نُشر الكثير عنها في الصحف. هل هي بهذه الروعة حقاً؟
قال لومبارد: لا أعرف؛ لم أرَها من قبل.
- حقاً؟ إن عائلة أوين مغرَمون بها للغاية كما أظن. أيّ نوع من الناس هم؟ أخبرني.
ففكر لومبارد وقال لنفسه: يا لها من ورطه! هل المفروض أنه سبق لي الالتقاء بهم أو لا؟
ثم قال بسرعة: أرى دبّوراً يزحف على ذراعك! لا ، لا تتحركي.
وطوح يده بما يوحي بإزاحته، وقال: حسناً ، تخلصّنا منه الآن.
- يا إلهي! شكراً لك. توجد دبابير كثيرة هذا الصيف!
- أجل، لعلها الحرارة. مَن هو الذي ننتظره؟ هل تعلمين؟
- ليست لدي أيّ فكرة.
ثم تناهى إليهم الصوت الزاعق الطويل المميّز لقطار يقترب فقال لومبارد: ها هو القطار قادماً.
ثم ظهر من باب الخروج من الرصيف رجل عجوز طويل ذو مظهر عسكري وشعر أشيب مصفَّف بعناية وشارب أبيض مشذَّب، وتبعه حمّال ينوء قليلاً بحمل حقيبة سفر جلدية، وأومأ باتجاه فيرا ولومبارد فاندفعت فيرا بطريقة تنمّ عن الكفاءة وقالت: أنا سكرتيرة السيدة أوين. توجد سيارة في الانتظار.
وأضافت بسرعة: وهذا هو السيد لومبارد.
نظر الوافد الجديد بعينين زرقاوين باهتتين يلمع فيهما الذكاء، وكانت نظرته إلى لومبارد نظرة تقييم، فلو كان شخصُ ما يراقبه لرأى عينيه تزنان الرجل، وقال لنفسه: رجل حسن المظهر، ولكنّ فيه شيئاً يثير الريبة.
ركب الثلاثة سيارة الأجرة فسارت بهم عبر شوارع أوكبريدج النائمة، ثم تابعت السير ميلاً آخر على طريق بلايموث قبل أن تدخل في شبكة من الطرق الريفية الخضراء الضيقة شديدة الانحدار.
قال الجنرال ماك آرثر : لا أعرف هذه المنطقة من ديفون إطلاقاً؛ إن منزلي الصغير يقع في شرق ديفون قرب خط الحدود مع دورست.
قالت فيرا: المكان جميل هنا حقاً، التلال والأرض الحمراء، وكل شيء أخضر ومنمَّق.
قال فيليب لومبارد منتقداً قولها: المنطقة مغلقة إلى حد ما، وأنا أفضّل المناطق الريفية المفتوحة حيث بوسعك مشاهدة الأشياء عن بعد.
فقال الجنرال ماك آرثر: أظن أنك شاهدت جزءاً لا بأس به من العالَم، أليس كذلك؟
فهزّ لومبارد كتفيه باستخفاف وقال: لقد تجولت هنا وهناك يا سيدي.
وقال بينه وبين نفسه: سيسألني الآن عمّا إذا كنت قد عاصرت الحرب. هؤلاء العجائز يسألون أشياء كهذه دائماً.
إلاّ أن الجنرال ماك آرثر لم يذكر شيئاً عن الحرب.
-2-
صعدت بهم السيارة مرتفَعاً حادّاً، ثم نزلت في طريق متعرج إلى ستيكلهيفن التي لم تكُن سوى مجموعة صغيرة من الأكواخ وقارب صيد أو اثنين يرسوان على الشاطئ. وفي ضوء الشمس التي توشك على المغيب شاهدوا للمرة الأولى " جزيرة الجنود" تبرز من البحر من الجهة الجنوبية. قالت فيرا بدهشة: المسافة بعيدة إلى هناك!
كانت قد تصورَتها أقرب إلى الشاطئ ويعلوها بيت أبيض جميل، ولكن لم يكُن هناك بيت يمكن رؤيته على هذه الجزيرة.
وشعرت لدى رؤيتها بشعور غير مريح، وأحسّت برعشة خفيفة!
-3-
خارج نُزُل صغير يُدعى " النجوم السبعة" جلس ثلاثة أشخاص بدا بينهم الهيكل الأحدب للقاضي العجوز والقامة المنتصبة للآنسة برنت وشخص ثالث ضخم عريض الكتفين تقدّم نحوهما مقدّماً نفسه قائلاً: رأينا أن ننتظركم لنتابع معكم بقية الرحلة. اسمحوا لي بأن أقدّم نفسي: اسمي ديفيس ناتال، ومسقط رأسي جنوب إفريقيا.
قالها وأطلق ضحكة خفيفة، فنظر إليه القاضي وارغريف بحنق ظاهر وبدا كما لو أنه يرغب بإعطاء أمر " بإخلاء المحكمة " ، أمّا الآنسة برنت فلم تكُن تميل إلى رجال المستعمَرات. وسأل السيد ديفيس داعياً المجموعة: هل يوجد من يرغب في تناول شراب قبل أن نستقلّ القارب؟
ولم يتلقَّ ردّاً من أحد فاستدار رافعاً إصبعه وقال : إذن يجب أن لا نتأخر؛ فمضيفنا ومضيفتنا الكريمان في انتظارنا.
ولعله لاحظ توتراً غريباً على بقية أفراد المجموعة، وكأنما كان لذكر المضيف والمضيفة أثر محبِط بشكل غريب على الضيوف.
واستجابة للإشارة التي أبداها السيد ديفيس بإصبعه برز رجل من جانب حائط مجاور كان يميل عليه، وبدا من مشيته أنه رجل يعمل في البحر ؛ كان ذا وجه بدت عليه آثار تقلبات الطقس وذا عينين داكنتين وإيحاء خفيف بشخصية مراوغة، وقال بصوت ديفوني رقيق: هل أنتم مستعدون للتحرك إلى الجزيرة أيها السيدات والسادة؟ القارب في الانتظار. سيصل رجلان بالسيارة، ولكن السيد أوين أمر بأن لا ننتظرهما لأنهما قد يصلان في أيّ وقت.
نهض أفراد المجموعة وساروا خلف دليلهم على ممرّ المرفأ الحجري الصغير متجهين إلى قارب بخاريّ كان راسياً في انتظارهم، فقالت إميلي برنت: هذا قارب صغير جداً.
ردّ صاحب القارب بلهجة من يحاول الإقناع: هذا قارب ممتايز يا سيدتي ، وبوسعك الإبحار على متنه إلى بلايموث بكل سهولة.
قال القاضي وارغريف بحدّة: ولكن عددنا كبير.
- هذا القارب يتسع لضعف العدد يا سيدي.
قال فيليب لومبارد بصوته العذب الخفيف: كل شيء على ما يرام، الطقس ممتاز ولا توجد أمواج.
وبشيء من التشكك استجابت الآنسة برنت لعرض مساعدتها في ركوب القارب، ثم تبعها الآخرون، لم تكُن الألفة قد حلّت بين أفراد المجموعة بعد، وبدا كما لو أنّ كلّ فرد فيها كان في حالة حيرة من أمر الآخرين.
كانوا على وشك الانطلاق حين توقف الدليل فجأة ومرساة القارب في يده، وأبصروا سيارة قادمة في طريق القرية المنحدر، بدت سيارة قوية جميلة ملفتة للنظر، وقد جلس خلف مقودها شابّ جعلت الريح شعره يتطاير إلى الوراء ، وبدا في غسق المساء كما لو لم يكُن رجلاً، بل تمثالاً ! وعندما ضغط بوق السيارة دوّى صوتٌ تردّد صداه على صخور الميناء، وكانت لحظة رائعة بدا فيها أنتوني مارستون كما لو كان مخلوقاً خالداً! كثيرون من أفراد المجموعة تذكروا هذه اللحظة فيما بعد.
-4-
جلس فريد ناراكوت إلى جانب متحرّك القارب وفكّر بينه وبين نفسه بأن هذه المجموعة تبدو غريبة، فما كان يتوقع أن يكون ضيوف السيد أوين من هذا الطراز بل كان يتوقع أشخاصاً أكثر رقيّاً، رجالاً ونساء في ثياب فاخرة، أثرياء وذوي مظهر محتَرَم، هؤلاء ليسوا كضيوف السيد إلمر روبسون. وافترت شفتا فريد ناراكوت عن ابتسامة باهتة وهو يتذكر ضيوف ذلك المليونير، كان ذلك ما يستطيع أن يسمّيه حفلة حقاً. أما السيد أوين هذا فلا بدّ أنه رجل مختلف.
قال فريد لنفسه: غريب! أنا لم أرَ السيد أوين ولا زوجته، فهما لم يأتيا هنا من قبل. كل شيء تمّ طلبه ودُفعت تكاليفه من قِبَل السيد موريس، والتعليمات واضحة دائماً والفواتير تُدفَع في وقتها، ولكن مع ذلك كان الأمر غريباً! الصحف ذكرت أن بعض الغموض يحيط بالسيد أوين، والسيد ناراكوت يتفق مع هذا الرأي.
فكّر أنه ربما كانت الآنسة غابرييل تيول هي التي اشترت الجزيرة فعلاً، ولكن تلك النظرية لم تصمد في ذهنه حين نظر إلى ركّابه. لا ، ليست هذه المجموعة ؛ لا أحد منهم يبدو ذا صلة بنجمة سينمائية شهيرة. واستعرضهم في ذهنه ببرود: سيدة كبيرة السن من ذلك النوع الجافّ الذي يعرفه جيداً، ورجل عسكري عجوز عليه هالة حقيقية لضابط في الجيش، وفتاة شابّة حلوة ولكنها ليست من النوع الفاتن، بل فتاة عادية ليست فيها لمسة هوليوودية. وذلك الرجل الضخم المرح، لم يكن سيّد مجتمعات حقاً، ربما كان تاجراً متقاعداً.
كان ذلك ما يدور في ذهن فريد ناراكوت. أما الرجل الآخر الرشيق الذي بدا جائعاً وذا عينين تتحركان بسرعة فهو شخص غريب، نعم ، هو كذلك. يُحتمل أن تكون له علاقة بالعمل في مجال الأفلام السينمائية.
فقط شخص واحد يثير الإعجاب في القارب، الرجل الأخير الذي وصل بالسيارة. ويا لها من سيارة! سيارة لم تشهد ستيكلهيفن مثلها من قبل! لا بدّ أن سيارة كهذه ثمنها مئات ومئات! هذا هو الشخص المناسب. من الواضح أنه وُلد ثرياُ. لو كانت المجموعة كلها على شاكلته لكانت تبدو مقنعة له.
الحكاية كلها غريبة حين تمعن النظر فيها... كل شيء غريب، غريب جداً!
-5-
شقّ القارب طريقه حول الصخرة، وعندئذ ظهر البيت واضحاً. كان الجانب الجنوبي للجزيرة مختلفاً تماماً؛ كان ينحدر تدريجياً باتجاه البحر وكان البيت يواجه الجنوب، كان بناء منخفضاً مربعاً ذا طراز عصري ونوافذ مستديرة تسمح بدخول الكثير من الضوء. كان بيتاً مدهشاً كما كان متوقَّعاً.
أطفأ فريد ناراكوت المحرك فانساب القارب بلطف من خلال فجوة طبيعية بين الصخور، وقال فيليب لومبارد بحدّة: لا بدّ أن الرسوّ هنا صعب في الطقس السيَّئ.
فردّ فريد ناراكوت بمرح: لا يمكن الرسوّ في جزيرة الجنود عندما تهبّ الريح الجنوبية الشرقية، وأحياناً تصبح الجزيرة معزولة لمدة أسبوع أو أكثر.
فكرت فيرا كلايثورن قائلة لنفسها: لا بدّ أن تأمين اللوازم الغذائية سيكون صعباً للغاية، وهذا أسوأ ما في موضوع العيش في جزيرة المشكلات المنزلية مقلقة جداً.
وحين لامس القارب الصخور قفز فريد ناراكوت واشترك مع لومبارد في مساعدة الآخرين على النزول، وبعد أن ربط ناراكوت القارب إلى حلقة معدنية مثبتة في الصخر سار في مقدّمة المجموعة صاعداً الدرَج المحفور في المنحدَر الصخري، وقال الجنرال ماك آرثر: يا له من مكان جميل!
لكنه لم يكُن مرتاحاً للمكان الذي بدا في عينيه وكأنه مكان لعين غريب. وعندما صعدت المجموعة الدرجات ووصلت إلى الشرفة في الأعلى بدا أنهم استعادوا حيويتهم، ووجدوا في انتظارهم في مدخل البيت مسؤول الخدم بهيئة لائقة ومظهر بعث فيهم شعوراً بالاطمئنان. وكان البيت نفسه جميلاً للغاية والمنظر من الشرفة رائعاً، وقد كان مسؤول الخدم رجلاً طويِّلاً ناحلاً ذا شعر أشيب وهيئة تبعث على الاحترام . وانحنى لهم انحناءة خفيفة وقال: أرجو التفضل من هنا.
في القاعة الواسعة كانت أنواع من المرطبات الباردة جاهزة للتقديم، وفهم الضيوف من الخادم أن السيد أوين تأخّر لسوء الحظ ولن يستطيع الوصول إلى المكان قبل الغد، وقد ترك تعليمات بتنفيذ كل ما يرغب فيه الضيوف. وهم يستطيعون الذهاب إلى غرفهم، أما العشاء فسوف يكون جاهزاً في الثامنة تماماً.
-6-
تبعت فيرا السيدة روجرز إلى الطابق العلوي، وفتحت المرأة باباً في نهاية الممرّ فدخلت فيرا غرفة نوم جميلة ذات نافذة كبيرة تطلّ على البحر ونافذة أخرى جهة الشرق، ورددت كلمات إعجاب قصيرة فقالت لها السيدة روجرز: آمل أن تكوني قد وجدت كل ما تريدين يا آنستي.
نظرت فيرا حولها، وكانت حقائبها قد أُحضرت إلى الغرفة. وفي أحد جوانب الغرفة كان باب يُفضي إلى حمّام ذي بلاط أزرق فاتح فقالت بسرعة: أجل، أعتقد أن كل شيء على ما يرام.
- أرجو أن تدقَّي الجرس إذا احتجتِ إلى أيّ شيء يا آنستي.
- كان صوت السيدة روجرز خافتاً رتيباً، فنظرت إليها فيرا بفضول. كانت تراها كامرأة أشبه بالشبح الأبيض الجامد، وكان مظهرها يبعث على الاحتلام بثوبها الأسود وشعرها المصفَّف إلى الخلف وعينيها الباهتتين الغريبتين اللتين تتحركان طول الوقت، فقالت فيرا لنفسها : تبدو كأنها مذعورة من خيالها! نعم، هي كذلك ، مذعورة!
كانت تبدو كأنها امرأة دخلت حالة من الخوف المميت، فشعرت فيرا برجفة في جسمها. ما الذي تخاف منه هذه المرأة يا ترى؟ وقالت لها بموّدة: أنا سكرتيرة السيدة أوين، وأعتقد أنك تعرفين ذلك.
ردّت السيدة روجرز: لا يا آنسة، أنا لا أعرف شيئاً. فقط لديّ قائمة بأسماء الرجال والسيدات والغرف المخصَّصة لهم.
قالت فيرا: ألم تذكر السيدة أوين شيئاً عنِّي؟
برقت عينا السيدة روجرز وقالت: أنا لم أرَ السيدة أوين بعد، لقد وصلنا هنا منذ يومين فقط.
فقالت فيرا لنفسها: الزوجان أوين شخصان غير عاديَّين!
ثم قالت بصوت عالٍ: مَن العاملون هنا؟
- أنا وزوجي فقط يا آنستي.
فقطّبَت فيرا حاجبيها وهي تفكّر. ثمانية أشخاص في المنزل، عشرة مع المضيف والمضيفة، ولا يوجد سوى رجل وزوجته لخدمتهم!
قالت السيدة روجرز: انا طاهية ماهرة وزوجي ملمّ بصيانة المنزل. لم أكن أعرف أنه ستكون في المنزل مجموعة كبيرة كهذه بالطبع.
قالت فيرا: ولكنك ستتدبرين الأمر، أليس كذلك؟
- طبعاً، طبعاً يا آنسة؛ أستطيع تدبّر الأمر ، وحتى إذا كان سيتم إقامة حفلات كبيرة فقد تستطيع السيدة أوين جلب أشخاص إضافيتين.
قالت فيرا: أعتقد ذلك.
واستدارت السيدة روجرز للخروج فتحركت قدماها بخفّة ودون صوت وخرجت من الغرفة كما لو كانت شبحاً.
ذهبت فيرا إلى الشباك فجلست على المقعد المجاور له، وكانت تشعر باضطراب خفيف؛ كل شيء كان يبدو غريباً بعض الشيء على نحو ما: عدم وجود السيد والسيدة أوين، السيدة روجرز الشاحبة كالشبح، والضيوف.... الضيوف أيضاً كانوا غريبين ، مجموعة ملفَّقة بطريقة عجيبة! قالت لنفسها: أتمنى لو كنت أعرف السيد والسيدة أوين، أتمنى لو أعرف كيف يبدوان.
ثم نهضت فتمشّت في الغرفة بقلق. كانت غرفة نوم ممتازة مجهَّزة كلَّياً بطراز عصري، سجاجيد فاتحة اللون على الأرضية الخشبية اللامعة، وجدران خفيفة التلوين، ومرآة طويلة محاطة بالأضواء، وسطح مدفأة خال ٍ من أيّ زخرفة باستثناء قطعة ضخمة من الرخام الأبيض على شكل دبّ من النحت العصري وفي داخلها ساعة وفوقها إطار من الكروم اللامع، ورأت هناك مخطوطة مربَّعة الشكل تمثّل قصيدة، فوقفت فيرا أمام المدفأة وقرأت القصيدة. وكانت هي ذاتها الأنشودة التي تذكرها من أيام طفولتها:
عشرة جنود صغار خرجوا للعشاء
أحدهم شَرِقَ فمات فبقي تسعة
تسعة جنود صغارا سهروا حتى ساعة متأخرة
أحدهم أخذه النوم فبقي ثمانية
ثمانية جنود صغار سافروا إلى ديفون
أحدهم قال إنه سيبقى هناك فبقي سبعة
سبعة جنود صغارا كانوا يقطعون خشباً
أحدهم قطع نفسه نصفين فبقي ستة
ستة جنود صغار كانوا يلعبون بخلية نحل
أحدهم لسعته نحلة طنّانة فمات فبقي خمسة
خمسة جنود صغار ذهبوا إلى القضاء
أحدهم بقي في المحكمة فبقي أربعة
أربعة جنود صغار ذهبوا إلى البحر
سمكة رنجة حمراء ابتلعت أحدهم فبقي ثلاثة
ثلاثة جنود صغار ذهبوا إلى حديقة الحيوان
دبّ كبير احتضن أحدهم فبقي اثنان
جنديان صغيران جلسا في الشمس
أحدهما أصيب بضربة شمس فبقي واحد
جندي صغير بقي وحيداً تماماً
فذهب وشنق نفسه
ثم لم يبقَ أحد
ابتسمت فيرا وقالت لنفسها: طبعاً، فهذه هي " جزيرة الجنود " ثم ذهبت وجلست ثانية إلى جوار النافذة. كم هو كبير هذا البحر! من هنا لم يكُن بالإمكان رؤية أيّ أرض أينما كانت ، بل مساحات شاسعة من الماء الأزرق الذي يتموج في شمس المغيب. قالت لنفسها كم هو هادئ هذا البحر اليوم! أحياناً يكون في غاية القسوة.
انطلقت إلى ذاكرتها عدّة كلمات فجأة: البحر الذي سحبك إلى أعماقه...غريب...وُجد غريقاً.. غرق في البحر.... غرق، غرق ، غرق...!
ثم أفاقت فجأة وقالت لنفسها: لا ، لا أريد التذكر، لا أريد التفكير في ذلك! كل هذا قد انتهى.
-7-
وصل الدكتور آرمسترونغ إلى " جزيرة الجنود " عند مغيب الشمس، وفي طريقه إلى الجزيرة كان يتبادل الحديث مع عامل القارب، وهو رجل من المنطقة نفسها. كان الدكتور آرمسترونغ مهتماً بمعرفة بعض المعلومات عن الأشخاص الذين يمتلكون الجزيرة، ولكن ذلك الرجل ناراكوت بدا جاهلاً، أو ربما لم يكُن يريد الكلام، ولهذا فقد حوّل الدكتور آرمسترونغ حديثه إلى الطقس وصيد الأسماك. كان متعَباً بعد رحلته الطويلة بالسيارة، وكانت مقلتاه تؤلمانه فالسير غرباً يعني السير باتجاه الشمس.
نعم ، كان متعَباً جداً، والآن هو مع هذا البحر وهذا الهدوء التامْ. هذا ما كان يحتاجه حقّاً؛ كان يودّ أن يقضي إجازة طويلة فعلاً، ولكن ذلك لم يكُن بوسعه. لم تكُن لديه مشكلة من الناحية المالية بالطبع، ولكنه لا يستطيع ترك عمله لأن هذا يمكن أن يتسبب في أن ينساه الناس. والآن ها هو قد وصل وعليه التركيز فيما هو فيه. قال لنفسه: هذا المساء سأتخيّل أنني لن أعود وأنني قد انتهيت من لندن ومن شارع هارلي وكل ما يتعلق به.
شيء سحري كان يتعلّق بكلمة " جزيرة" ، الكلمة ذاتها توحي بالخيال، بمغامرة تجعلك تنفصل عن العَالم؛ فالجزيرة عالَم قائم بذاته، عالَم قد لا تعود منه أبداً.
قال لنفسه: " فلأترك حياتي الرتيبة خلفي ". ثم بدأ يرسم خططاً خيالية للمستقبل وهو يبتسم لنفسه، وكان لا يزال يبتسم وهو يصعد الدرجات المنحوتة في صخرة الجزيرة.
رأى في الشرفة رجلاً عجوزاً يجلس على مقعد، وبدا منظره مألوفاً بشكل غامض للدكتور آرمسترونغ. أين رأى ذلك الوجه الذي يشبه الضفدع وتلك الرقبة التي تشبه رقبة السلحفاة وذلك الجسم المنحني وهاتين العينين الشاحبتين الذكيّتين ؟ آه، إنه العجوز وارغريف بالطبع! لقد سبق أن طُلب آرمسترونغ للشهادة أمامه، وكان يبدو دائماً شبه نائم ولكنه كان يقظاً تماماً إذا برزت نقطة قانونية. كان ذا سلطة كبيرة على المحلّفين، وكان يُقال إن بوسعه الإيحاء لهم بقرارهم في أيّ وقت يشاء، وقد استطاع أن ينتزع منهم قرارات إدانة غير متوقَّعة مرة أو اثنتين، حتى إن بعض الناس وصفوه بأنه " قاضي الإعدام "!
غريب أن يقابله في هذا المكان البعيد النائي من العالَم!
-8-
قال القاضي وارغريف لنفسه وهو يصافح الطبيب: آرمسترونغ! إنني أذكرك على منصّه الشهود ؛ دقيق وحَذِر تماماً، الأطباء كلهم حمقى، وأكثرهم حمقاً أطباء شارع هارلي.
وتذكّر حانقاً مقابلة جرت له مع شخصية لطيفة في ذلك الشارع مؤخَّراً، ثم قال بصوت عال أجشّ : المرطبات المنعشة في القاعة.
فقال الدكتور آرمسترونغ: يجب أن أذهب لتحيّة مضيفي ومضيفتي أولاً.
فأغمض القاضي وارغريف عينيه ثانية وقال وهو يبدو كأحد الزواحف: ليس بوسعك ذلك.
قال الدكتور آرمسترونغ مدهوشاً: لِمَ لا؟
قال القاضي: لا مضيف ولا مضيفة! إنه لأمر غريب؛ لا أفهم ما الذي يحدث هنا!
حدّق إليه الدكتور آرمسترونغ قليلاً، وعندما ظنّ أن العجوز قد تام بالفعل قال وارغريف فجأة: هل تعرف كونستانس كلمنغتون؟
لـ... لا ، لا أظن أنني أعرفها.
قال القاضي: ليس لذلك أهمية. إنها امرأة غامضة جداً وخطّها لا يكاد يمكن قراءته. لقد كنت أتساءل – للتوّ- ما إذا كنتُ قد أخطأت طريقي إلى هذا المكان.
فهزّ الدكتور آرمسترونغ رأسه وتوجه إلى المنزل، في حين أخذ القاضي وارغريف يتأمل موضوع كونستانس كلمنغتون، كانت امرأة لا يمكن الاعتماد عليها مثل سائر النساء. ثم تحول تفكيره إلى المرأتين الموجودتين في المنزل، العجوز منقبضة الفم والفتاة. لم يكترث بأمر الفتاة فهي مجرَّد فتاة مبتذلة عديمة الإحساس... ولكن لا ، في المنزل ثلاث نساء إذا أخذنا السيادة روجرز في الحسبان، تلك المخلوقة الغريبة التي تبدو ميّتة من الخوف، مع أنها هي وزوجها شخصان محترَمان ويجيدان عملهما.
في تلك اللحظة خرج السيد روجرز إلى الشرفة فسأله القاضي: هل تتوقعون قدوم السيدة كونستانس كلمنغتون؟ هل لديك علم بذلك؟
فحدّق إليه روجرز وقال: لا يا سيدي ، لا علم لي بذلك.
ارتفع حاجبا القاضي ، ولكنه اكتفى بالغمغمة وقال لنفسه: جزيرة الجنود.... يبدو وكأن جندياً يختبئ في كومة الحطب!
-9-
كان أنتوني مارستون في حمَامه ينعم بالمياه الساخنة تنساب على جسده، وكان يشعر بتصلّب أطرافه بعد رحلته الطويلة. لم تكُن تدور في رأسه أفكار كثيرة، فقد كان مخلوقاً عملياً. قال لنفسه: أعتقد أنني يجب أن أؤدَي تلك المهمّة، لا مناص.
ثم صرف تفكيره عن أيّ شيء وقال لنفسه: سأنتهي – أولاً – من هذا الحمّام اللطيف وأريح جسدي المتعَب ، ثم أحلق ذقني وأتناول بعض المرطبات ، ثم أتناول العشاء، ثم .... ثم ماذا؟!
-10-
كان السيد بلور يعقد ربطة عنقه، ولكنه لم يكُن ماهراً في هذه الأمور فقال لنفسه: هل أبدو على ما يرام؟ أعتقد ذلك.
لم يُبدِ أحدٌ له أيْ مودّة فعلية، وكانت طريقة نظرهم بعضهم إلى بعض غريبة؛ بدا وكأنهم يعرفون .... حسناً ، الأمر عائد له؛ لقد عَزَم على أن لا يفشل في مهمته. سرح ببصره إلى الأنشودة فوق المدفأة، كان وضْع تلك الأنشودة هناك لمسة أنيقة. قال لنفسه: أذكر هذه الجزيرة عندما كنتُ طفلاً، ولم يخطر لي قَط أنني سأقوم بعمل كهذا في منزل هنا. ربما كان أمراً جيداً أن المرء لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل.
-11-
قطب الجنرال ماك آرثر جبينه مفكّراً وقال: كل شيء يبدو غريباً! ليس هذا ما كنتُ أتوقعه أبداً.
تمنّى لو استطاع أن يجد عذراً ويغادر الجزيرة تاركاً كل شيء، ولكن القارب كان قد عاد إلى الشاطئ فأضحى مجبّراً على البقاء . هذا المدعو لومبارد شخص غريب، وهو ليس فوق مستوى الشبهات، هذا أمر مؤكَّد... ليس فوق مستوى الشبهات.
-12-
خرج لومبارد من غرفته فيما كان جرس العشاء يُقرَع ومضى إلى رأس الدرَج. كان يتحرك بخفَة كالفهد، شيءٌ ما فيه يشبه الفهد أو الوحش المفترس، ولكنه كان جميل الشكل! كان يبتسم بينه وبين نفسه وهو يقول : سيكون أسبوعاً ممتعاً.
-13-
جلست إميلي برنت في غرفتها تقرأ كتاباً دينياً وقد ارتدت ثوباً حريرياً أسود استعداداً للعشاء. تحرّكت شفتاها وهي تقرأ: " الكَفَرة سوف يغرقون في الحفرة التي حفروها هم أنفسهم، في الشِّباك التي أخفَوها ستنزلق أقدامهم " .
ثم زمّت شفتيها وأغلقت الكتاب، ونهضت فوضعت حلية في رقبتها ونزلت إلى العشاء.
الفصل الثالث
أوشك العشاء على الانتهاء، وكان الطعام جيداً والشراب ممتازاً وكانت خدمة السيد روجرز جيدة شعر الجميع بروح معنوية أفضل، وقد أخذوا يتحادثون بصورة أكثر حرية وألفة.
القاضي وارغريف أصبح ممتعاً بحديثه الساخر الذي كان يستمع إليه الدكتور آرمسترونغ وتوني مارستون، والآنسة برنت تحدثت مع الجنرال ماك آرثر وقد اكتشفا أن لديهما بعض الأصدقاء المشترّكين،
أما فيرا كلايثورن فقد كانت توجّه أسئلة ذكية للسيد ديفيس حول جنوب إفريقيا، وكان السيد ديفيس ملمّاً تماماً بالموضوع، فيما كان لومبارد يستمع إلى الحديث وقد رفع رأسه مرة أو مرتين فجأة وضاقت عيناه، وبين فينة وأخرى كان يدور بعينيه حول الطاولة متأملاً الآخرين.
فجأة قال أنتوني مارستون: هذه الأشياء طريفة، أليس كذلك؟
كان في وسط الطاولة تحف خزفية صغيرة وُضعت على حامل زجاجي ، وقال توني: جنود.. جزيرة الجنود، أعتقد أن هذه هي الفكرة، انحنت فيرا للأمام وقالت: تُرى كم عددها؟ عشرة؟
ثم هتفت : يا للطرافة! يبدو لي أنهم هؤلاء الجنود العشرة في الأنشودة، الأنشودة المعلَّقة في غرفتي داخل إطار فوق المدفأة.
قال لومبارد: وفي غرفتي أيضاً.
وتوالت أصوات الحضور تشير إلى أنها في غرفهم جميعاً فقالت فيرا: فكرة مسلية ، أليس كذلك؟
وعلّق القاضي وارغريف بصوت أجشّ قائلاً : بل فكرة طفوليّة للغاية.
ثم تناول مزيداً من القهوة. ونظرت إميلي برنت إلى فيرا كلايثورن فنظرت فيرا إليها ، ثم نهضتا واقفتين فاتجهتا إلى غرفة الجلوس حيث كانت النوافذ مفتوحة على الشرفة، وتناهى إليهما صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور على الشاطئ، فقالت إميلي برنت : إنه صوت لطيف.
فقالت فيرا بحدَّة: أنا أكره هذا الصوت.
رفعت الآنسة برنت نظرها إليها بدهشة فشعرت فيرا ببعض الحرج وقالت بهدوء أكثر : لا أعتقد أن هذا المكان سيكون ملائماً إذا ما هبّت عاصفة .
وافقتها إميلي برنت قائلة: ليس لديّ شك في أن هذا المكان يُغلّق في الشتاء. لا يمكن تأمين خدم هنا في الشتاء على أية حال.
قالت فيرا: لا بدّ أن توفير الخدم في هذا المكان صعبٌ أصلاً.
قالت الآنسة برنت : السيدة أوليفر محظوظة لاستخدامها هذين الزوجين، إن المرأة طاهية ماهرة.
فقالت فيرا لنفسها: " عجيب أن يخطئ هؤلاء العجائز في الأسماء!" ، ثم قالت بعد هنيهة صمت : أجل ، أعتقد أن السيدة أوين محظوظة حقاً.
كانت الآنسة برنت قد أخرجت قطعة تطريز صغيره من حقيبتها، وبينما كانت على وشك إدخال الخيط في الإبرة توقفت فجأة وقالت بحدّة: أوين؟ هل قلتِ أوين؟
- نعم
فقالت إميلي برنت بحدّة مرة أخرى : أقابل أحداً في حياتي يُدعى أوين.
فحدّقت إليها فيرا وقالت: ولكن بالتأكيد....
ولم تكمل جملتها؛ فقد فُتح الباب وانضمّ الرجال إليهما يتبعهم روجرز حاملاً صينية القهوة، ثم جاء القاضي فجلس بجوار إميلي برنت، وجلس آرمسترونغ إلى جوار فيرا، وذهب توني مارستون ليفتِح النافذة، وأخذ بلور يتفحص تمثالاً نحاسياً بدهشة ساذجة، ووقف الجنرال ماك آرثر وظهره إلى المدفأة وأخذ يعبث بشاربه الأبيض الصغير، فقد كان العشاء جيداً تماماً يقلّب صفحات مجلة كانت مع صحف أخرى على طاولة بجانب الجدار.
دار روجرز بصينية القهوة، وكانت القهوة جيدة ومركِّزة وساخنة جداً. كان الجميع قد استمتعوا بالعشاء وكانوا في حالة من الرضا بأنفسهم وبالحياة، وكانت الساعة تشير إلى التاسعة والثلث وقد ساد المكانَ صمتٌ شامل مريح.
وفجأة قطع ذلك الصمتَ صوتٌ مفاجئ مرتفع شديد يقول:
أيها السيدات والسادة، أرجو الصمت.
ذُهل الجميع ونظر بعضهم إلى بعض ونظروا حول المكان والجدران... مَن كان يتحدث؟! ولكن الصوت استمرّ واضحاً وعالياً يقول: أنتم متّهَمون بما يلي: إدوارد جورج آرمستورنغ ، أنت متّهم بأنك تسببت يوم الرابع عشر من آذار (مارس) عام 1925 بقتل لويزا ماري كليز. إميلي كارولين برنت، أنتِ متهمة بأنك مسؤولة عن وفاة بياتريس تايلور يوم الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1931. ويليام هنري بلور، أنت متَهم بأنك تسببت في موت جيمس ستيفن لاندور يوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1928. فيرا إليزابيث كلايثورن، أنت متَهمة بأنك قتلتِ سيريل أوغليف هاملتون يوم الحادي عشر من آب (أغسطس) عام 1935. فيليب لومبارد، أنت متَهم بأنك مذنب بالتسبب في موت واحد وعشرين رجلاً من قبيلة في شرق إفريقيا خلال شهر شباط (فبراير) عام 1932. جون غوردون ماك آرثر، أنت متَهم بأنك دفعت بعشيق زوجتك آرثر ديتشموند عامداً إلى الموت يوم الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1917. أنتوني جيمس مارستون، أنت متَهم بقتل جون ولوسي كومبس يوم الرابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. توماس روجرز وإيثيل روجرز، أنتما متهمان بأنكما تسببتما في موت جنيفر برادي يوم السادس من أيار (مايو) عام 1929. لورنس جون وارغريف، أنت متهَم بأنك كنت مذنباً بقتل إدوارد سيتون يوم العاشر من حزيران (يونيو) عام 1930.
وصمت الصوت هنيهة ثم عاد يقول بلهجة قوية: أيها السجناء في قفص الاتهام، هل لديكم ما تدافعون به عن أنفسكم؟
-2-
توقف الصوت، وللحظة ساد صمت وذهول بين الجميع، ثم دوّى صوت تحطم بعض الأواني؛ فقد أسقط روجرز صينية القهوة، وفي نفس اللحظة جاء من خارج الغرفة صوت صراخ وارتطام، وكان لومبارد أول من تحرك فقفز إلى الباب وفتحه على مصراعيه، وفي الخارج كانت السيدة روجرز راقدة متكومّة على نفسها فصاح لومبارد: مارستون.
اندفع أنتوني لمساعدته فرفعا المرأة معاً وحملاها إلى غرفة الجلوس، وجاء الدكتور آرمسترونغ بسرعة فساعدهما في رفعها إلى الأريكة ثم انحنى عليها وقال بسرعة: لم يصبها شيء، لقد أُغمي عليها فقط وسوف تفيق خلال دقائق. قال لومبارد للسيد روجرز: أحضر بعض الليمون.
كان وجه روجرز أبيض ويداه ترتعشان وقال : حالاً يا سيدي.
ثم غادر الغرفة مسرعاً في حين صاحت فيرا: من ذلك الذي كان يتكلم؟ من هو؟! لقد كان الصوت عالياً، عالياً جداً!
وجاء صوت الجنرال ماك آرثر مدمدماً : ماذا يحدث هنا؟ ما هذا المزاح؟
كانت يداه ترتعشان وكتفاه متهدّلَين ، وبدا فجأة أكبر من عمره بعشر سنوات، وكان بلور يمسح وجهه بمنديل بسبب العرق المتصبب عليه. الوحيدان اللذان لم يتأثراً نسبياً كانا القاضي وارغريف والآنسة برنت التي جلست بشكل منتصب رافعه رأسها إلى أعلى وقد تدفّق لون داكن في وجنتيها، أما القاضي فقد جلس بهيئته المعتادة ورأسه غارق بين كتفيه، ثم أخذ يحكّ أذنه بإحدى يديه، وكانت عيناه فقط نشطتين تدوران وتدوران حول الغرفة بحيرة، ولكن بيقظة وذكاء.
مرة أخرى كان لومبارد هو البادئ، فبينما كان آرمسترونغ مشغولاً بالمرأة المنهارة وجد لومبارد نفسه حراً ليبادر قائلاً: ذلك الصوت بدا صادراً من داخل الغرفة.
فصاحت فيرا: مَن كان صاحب الصوت؟ مَن؟ لم يكُن واحداً منّا.
أخذت عينا لومبارد تدوران حول الغرفة كما يفعل القاضي ، واستقرّتا لحظة على النافذة المفتوحة ثم هزّ رأسه بحزم، وفجأة لمعت عيناه وتحرك بسرعة إلى الإمام حيث يوجد باب بجانب الموقد يؤدي إلى الغرفة المجاورة، وبحركة سريعة أمسك بمقبض الباب ففتحه واندفع إلى الداخل مُطلقاً على الفور صيحة رضا وقال: وجدتها. وتدافع الآخرون نحوه ما عدا الآنسة برنت التي بقيت جالسة بهيئتها المنتصبة على مقعدها. داخل الغرفة الأخرى وُضعت طاولة ملاصقة للجدار الذي يفصلها عن غرفة الجلوس، وعلى الطاولة وجدوا مكبّر صوت من النوع القديم يتصل به بوق كبير، وكانت فوهة البوق موجَّهة إلى الجدار، وحين أزاحه لومبارد جانباً بدا له ثقبان أو ثلاثة كان قد تمّ حفرها بشكل خفيّ في الجدار، وأعاد تهيئه مكبّر الصوت ووضع الإبرة على الأسطوانة فسمعوا الصوت ثانية يقول: أنتم متَهمون بما يلي...
فصاحت فيرا: أوقفه، أوقفه! يا له من صوت مريع!
فاستجاب لها لومبارد، وقال الدكتور آرمسترونغ بارتياح: أعتقد انه مزاح سقيم وحقير.
ثم جاء صوت القاضي وارغريف واضحاً يقول : إذن فأنت تعتقد أن المسألة مزاح، أليس كذلك؟
فحدّق إليه الطبيب وقال: ماذا يمكن أن تكون غير ذلك؟
فمسح القاضي بيده شفته العليا برفق وقال: لستُ مستعداً لإبداء أيّ رأي في الوقت الحاضر.
فتدخّل أنتوني مارستون وقال: أيها السادة، أعتقد أنكم نسيتم شيئاً هامّاً: مَن أدار هذا الشيء وجعله يُخرِج هذا الصوت؟
غمغم وارغريف، هذا صحيح ، علينا أن نحقق في ذلك.
وتقدّم المجموعة عائداً إلى غرفة الجلوس وتبعه الآخرون. كان روجرز قد عاد للتوّ ومعه كأس من عصير الليمون، في حين كانت الآنسة برنت منحنية على جسد السيدة روجرز التي كانت تتأوه، واندسّ روجرز برشاقة بين المرأتين قائلاً: اسمحي لي يا سيدتي ، سأكلمها.إيثيل ، إيثيل... كل شيء على ما يُرام. هل تسمعينني؟ عليك التماسك قليلاً.
أخذت السيدة روجرز تتنفس لاهثة بسرعة ودارت عيناها المتحجرتان برعب حول حلقة الوجوه المحدّقة إليها، وكان صوت زوجها فزعاً وهو يقول: تماسكي يا إيثيل، تماسكي.
وتحدّث إليها الدكتور آرمسترونغ مخففاً عنها قائلاً: سيدة روجرز، ستكونين على ما يرام الآن، هذه مجرَّد نوبة بسيطة.
فسألّته: هل أُغمي عليّ يا سيدي؟
- نعم
- ذلك الصوت ... ذلك الصوت المريع بدا أشبه بحكم قضائي!
وتحوّل لون وجهها إلى الأخضر ثانية وارتعشت جفونها، فقال الدكتور آرمسترونغ بحدّة: أين ذلك الشراب؟
كان روجرز قد وضع عصير الليمون على طاولة صغيرة،
فناوله أحدهم للطبيب الذي انحنى على المريضة اللاهثة وقال لها: اشربي هذا يا سيدة روجرز.
شربت الكأس وهي تلهث، وكان الشراب جيّداً لها، وسرعان ما عاد وجهها إلى لونه الطبيعي وقالت: أنا بخير الآن، لقد سبّب لي غثياناً فقط.
قال روجرز بسرعة: طبعاً سبب لك ذلك. لقد سبّب لي أنا أيضاً الغثيان وجعلني أُسِقط تلك الصينية. يا لها من أكاذيب شريرة! أودّ لو أعرف...
وعندئذ قوطع بسعال أحدهم، سعال واهن جافّ ولكنه كان كافياً لإيقاف صراخه. ونظر إلى القاضي وارغريف الذي سعل مرة أخرى وقال: مَن الذي وضع تلك الأسطوانة على مكبّر الصوت؟ هل كان ذلك أنت يا روجرز؟
صاح روجرز: لم أُكن أعرف ما هي، أقسم بالله إني لم أكن أعرف ما هي يا سيدي، ولو كنت أعرف لما وضعتُها قط.
فقال القاضي بجفاء: الأرجح أن هذا صحيح، ولكن أعتقد أنه من الأفضل لك أن تقدم شرحاً مفصَّلاً لذلك يا روجرز. مسح الخادم عرقه بمنديل وقال بصدق: كنت أطيع الأوامر يا سيدي، هذا كل ما هنالك.
- أوامر من؟
- أوامر السيد أوين.
قال القاضي وارغريف: دعني استوضح تلك النقطة قليلاً. ماذا كانت أوامر السيد أوين بالضبط؟
قال روجرز: أمرني أن أضع الأسطوانة على مكبّر الصوت، فكان عليّ إخراج الأسطوانة من الدرَج، وكان على زوجتي تشغيل مكبّر الصوت عند دخولي غرفة الجلوس حاملاً صينية القهوة.
غمغم القاضي: قصة مثيرة جداً.
فقال روجرز: إنها الحقيقة يا سيدي، أقسم بالله إنها الحقيقة.
لم أكُن أعرف ما بها، ولا حتى للحظة واحدة. كان عليها عنوان وأعتقدت أنها مجرَّد قطعة موسيقية.
نظر وارغريف إلى لومبارد وقال: هل كان عليها عنوان؟
فأوما لومبارد إيجاباً، ثم انفرجت شفتاه بهمهمة فظهرت أسنانه البيضاء وقال: صحيح تماماً يا سيدي، كان عنوانها " أغنية البجعة".
-3-
فجأة تدخّل الجنرال ماك آرثر وتساءل متعجّباً: الموضوع كله غير معقول... غير معقول إلقاء الاتهامات جزافاً على هذا النحو! لا بدّ من عمل شيء نحو السيد أوين هذا كائناً من كان. قاطعته إميلي برنت وقالت بحدّة: هذا هو السؤال ، مَن هو؟
تدخّل القاضي فقال بلهجة السلطة التي استمدّها من حياة طويلة في المحاكم: هذا هو بالضبط ما يتوجب علينا بحثه بعناية. أعتقد أن عليك أولاً أخذ زوجتك إلى سريرها يا روجرز ثم عُد إلى هنا.
- أمرك يا سيدي.
وقال الدكتور آرمسترونغ: سأساعدك يا روجرز.
خرجت السيدة روجرز مستندة إلى الرجلين، وعندما مضوا خارج الغرفة قال توني مارستون للباقين: ماذا عنكم؟ أنا أفكر في تناول بعض المرطّبات بعد هذا كله.
فقال لومبارد: وأنا أيضاً.
فقال توني: سأذهب وأجلب شيئاً.
ثم خرج من الغرفة، وعاد بعد ثانية أو ثانيتين وقال: وجدتها كلها جاهزة على صينية بانتظار من يحملها إلى الداخل.
ثم وضع الصينية بعناية. وانقضت الدقائق التالية في توَّزيع المشروبات. أخذ كل من الجنرال ماك آرثر والقاضي وارغريف كوباً من القهوة، والحضور جميعاً شعروا بالحاجة إلى ما يريح أعصابهم فتناولوا بعض المرطبات ، فيما عدا إميلي برنت التي أصرّت على كوب من الماء فقط.
وأخيراً عاد الدكتور آرمسترونغ إلى الغرفة فقالِ: السيدة بخير الآن، وقد أعطيتها دواء مسكّناً.
وبعد لحظات عاد روجرز إلى الغرفة، وتولى القاضي وارغريف زمام إدارة الحديث وتحولت الغرفة إلى قاعة محكمة مرتجّلة. قال القاضي: حسناً يا روجرز، يجب أن نفهم هذه النقطة تماماً: مَن هو السيد أوين؟
فحدّق إليه روجرز وقال: إنه مالك هذا المكان يا سيدي.
- أعرف ذلك، لكن ما أريده منك هو أن تخبرني بما تعرفه عن الرجل.
هزّ روجرز رأسه وقال: لا أستطيع القول يا سيدي. أرجو أن تفهمني، أنا لم أرَه في حياتي قط.
حدث تململ خفيف في الغرفة ، وقال الجنرال ماك آرثر: لم يسبق لك أن رأيته! ماذا تعني؟
- لقد مضى علينا هنا أسبوع فقط، زوجتي وأنا. لقد تمّ تعييننا في العمل بموجب رسالة عن طريق وكالة توظيف، وكالة ريجينا في بلايموث.
اومأ بلور موافِقاً وقال مؤيّداً: أعرف أنها مؤسَّسة عريقة.
وقال القاضي وارغريف: هل الرسالة موجودة معك؟
- رسالة التوظيف ؟ لا يا سيدي؟ لم احتفظ بها.
- أكمل قصتك. تمّ توظيفك كما تقول بموجب رسالة؟
- نعم يا سيدي. كان علينا أن نصل في يوم معيِّن، وفعلاً هذا ما حدث. كل شيء منظَّم هنا، المؤن وفيرة وكل شيء على ما يُرام. فقط كنّا بحاجة لنفض الغبار وما إلى ذلك.
- وبعد ذلك؟
لا شيء يا سيدي. تلقّينا أوامر بموجب رسالة أخرى لإعداد الغرف لمجموعة من الضيوف، ثم تلقّيت في بريد بعد ظهر أمس رسالة أخرى من السيد أوين تخبرنا بأنه والسيدة أوين لم يستطيعا السفر وأن علينا التصرف بأفضل ما في وسعنا، وتضمّنَت الرسالة تعليمات حول العشاء والقهوة ووضع الأسطوانة في مكبّر الصوت.
قال القاضي بحدّة: من المؤكَّد أنك تملك تلك الرسالة، أليس كذلك؟
- بلى يا سيدي، ها هي.
وأخرجها من جيبه فناولها للقاضي الذي فتحها وغمغم: إنها رسالة مطبوعة بالآلة الكاتبة على أوراق فندق ريتز الرسمية.
وبحركة سريعة انتقل بلور إلى جانبه وقال: اسمح لي بإلقاء نظرة عليها.
وانتزع الورقة منه بخفّة فألقى نظرة عليها وغمغم: ألة من نوع كورنيشن جديدة تماماً لا عيب فيها، وورق من نوع إينساين، أكثر أنواع الورق استخداماً. ليس بوسعك استخلاص شيء من هذا. قد يكون عليها بصمات أصابع، ولكني أشك في ذلك.
وحدق إليه وارغريف بانتباه مفاجئ. كان أنتوني مارستون واقفاً إلى جانب بلور محدثاً من فوق كتفيه وقال: يا لها من أسماء راقية! أوليك نورمان أوين، يا له من اسم طويل !
قال القاضي بنبرة يشوبها اهتمام مفاجئ: أنا ممتنّ لك يا سيد مارستون، لقد لفتّ انتباهي إلى نقطة مثيرة وموحية. ثم نظر إلى الآخرين وقال وهو يدفع رقبته إلى الأمام كالسلحفاة الغاضبة: أعتقد أن الوقت قد حان ليضع كل واحد منّا ما لديه من معلومات أمام الجميع، وأعتقد أنه سيكون مفيداً لنا أن يقدّم كلُّ منّا ما لديه من معلومات حول مالك هذا البيت.
وتوقف قليلاً ثم تابع: نحن جميعاً ضيوفه، وأعتقد أنه سيكون من المفيد أن يوضّح كل واحد منّا كيف حصل ذلك بالضبط.
ساد صمت قصير، ثم تكلمت إميلي برنت فقالت بحزم: يوجد شيء غريب حول هذه المسألة برمّتها. لقد تلقيت رسالة بتوقيع لم يكُن من السهل قراءته، ومفادها أنها مرسَلة من قِبَل سيدة كنتُ قد قابلتها في منتجع صيفي قبل سنتين أو ثلاث سنوات، وقد قدّرتُ أن الاسم هو إما أوغرين أو أوليفر؛ فلي صلة بسيدة تُدعى السيدة أوليفر وأخرى تُدعى الآنسة أوغرين. أنا متأكدة تماماً أنني لم أقابل أو أتعرف على أيّ شخص باسم أوين قط.
قال القاضي وارغريف: هل لديك تلك الرسالة يا آنسة برنت؟
- نعم ، سأحضرها لك.
وخرجت برهة ثم عادت وبيدها رسالة أعطتها للقاضي الذي قرأها ثم قال: بدأت أفهم. وماذا عنك يا آنسة كلايثورن؟
شرحت فيرا ظروف استخدامها للعمل كسكرتيرة، فقال القاضي: وماذا عنك يا سيد مارستون؟
فقال أنتوني: تلقّيتُ برقية من صديق لي اسمه بادغر بيركلي، وكانت مفاجأة لي وقتها لأنني كنت أعتقد أن الرجل كان قد سافر إلى النرويج، وطلب مني في برقيته أن أحضر هنا.
أومأ وارغريف ثانية ثم قال: وأنت يا دكتور آرمسترونغ؟
- تلقيّت الدعوة كطبيب.
- فهمت، ولكن هل لديك معرفة سابقة بالعائلة؟
- لا ، ولكن كانت في الرسالة إشارة إلى زميل لي.
- قال القاضي : لإضفاء مصداقية، نعم. وأفترضُ أن صلتك بذلك الزميل كانت مقطوعة؟
- حسناً، نعم ، هذا صحيح .
وفجأة قال لومبارد الذي كان ينظر إلى بلور: لحظة أرجوكم، لقد خطر لي خاطر.
فرفع القاضي يده وقال: انتظر دقيقة.
- ولكني...
- ستبحث في كل مسألة على حدة يا سيد لومبارد، فنحن حالياً ندقّق في الأسباب التي أدّت إلى تجمعنا هنا هذه الليلة. ماذا عنك يا جنرال ماك آرثر؟
- غمغم الجنرال وهو يعبث بشاربه: وصلتني رسالة من ذلك الشخص المدعوّ أوين، ذكر فيها أسماء بعض أصدقائي وقال إنهم سيكونون هنا. كنت مرتاحاً للصيغة غير الرسمية للدعوة، ولكن يؤسفني أنني لم أحضر الرسالة. قال وارغريف: وماذا عنك يا سيد لومبارد؟
- كان لومبارد غارقاً تماماً في التفكير، ولم يكُن يدري إن كان من الأفضل له أن يكشف أوراقه أم لا ، ثم بدا أنه قد حسم أمره فقال : الحكاية ذاتها ؛ دعوة وأصدقاء مشترَكون. واقتنعتُ بالفكرة بسرعة، أما الرسالة فقد مزّقتها.
ثم تحول القاضي وارغريف بانتباهه إلى السيد بلور، وأخذ يمسح بإصبعه على شفته العليا وأصبح صوته مهذَّباً بشدة وقال: منذ قليل مرّت بنا تجربة مزعجة؛ ذلك الصوت وهو يجلجل ذاكراً كل واحد باسمه وموجّهاً هذه التهم المحدّدة إلينا. ولكني – في هذه اللحظة، مهتمّ بنقطة بسيطة، فمِن بين الأسماء التي تم ذكرها اسم ويليام هنري بلور، ولكن – حسب علمنا- لا يوجد بيننا شخص باسم بلور، كما أن اسم ديفيس لم يُذكر. ما رأيك بذلك يا سيد ديفيس؟
فقال بلور بتجهْم : يبدو أن القطة خرجت من كيسها! أعتقد أنه من الأفضل أن أعترف بأن اسمي ليس ديفيس.
- هل أنت ويليام هنري بلور؟
- هذا صحيح.
فقال لومبارد: أودّ أن أضيف شيئاً: أنت لست هنا فقط باسم مستعار يا سيد بلور، ولكن إضافة إلى ذلك فقد لاحظت أنا هذا المساء بأنك كاذب من الطراز الأول. أنت تدّعي أنك من ناتال في جنوب إفريقيا، وأنا أعرف ناتال وجنوب إفريقيا، وأنا مستعدّ للقسم بأنك لم تدخل جنوب إفريقيا طوال حياتك.
اتجهت كل الأنظار إلى بلور مفعّمة بالغضب والشك، وتحرك توني مارستون خطوة باتجاهه وقد تكورت قبضتاه وقال: والآن أيها الخنزير، هل لديك أيّ تفسير؟
دفع بلور رأسه إلى الوراء وحرّك فكيّه ثم قال: لقد فهمتموني خطأ أيها السادة: إن لديّ أوراقاً موثَّقة بوسعكم رؤيتها، أنا رجل عملت سابقاً في التحقيقات الجنائية وأدير حالياً وكالة تحريات في بلايموث، وقد كُلّفت بهذه المهمة.
فسأله القاضي وارغريف: من قِبَل مَن؟
- من قِبَل هذا الرجل أوين؛ بعث لي بمبلغ محترَم لتغطية مصروفاتي وأصدر لي تعليماته حول ما يريد عمله. لقد طلب منّي أن أنضمّ إلى هذه المجموعة باعتباري ضيفاً، وقد أعطاني أسماءكم وطلب منّي أن أراقبكم جميعاً.
- هل ذكر لك أيّ أسباب تدفعه إلى ذلك؟
- فقال بلور بمرارة: جواهر السيدة أوين... هراء وكلام فارغ، لا أعتقد أنه توجد سيدة بهذا الاسم.
قال القاضي وارغريف وهو يمسح بإصبعه على شاربه باستحسان هذه المرة: أعتقد أنه يوجد ما يبرّر استنتاجاتك . أوليك نورمان أوين... وفي خطاب الآنسة برنت ورغم أن اسم العائلة في التوقيع كان مجرَّد خربشة إلاّ أن الأسماء الأولى كانت واضحة بدرجة معقولة: أونا نانسي.. في كلتا الحالتين الأحرف الأولى من الأسماء هي نفسها: أوليك نورمان أوين، أونا نانسي أوين؛ أيّ أنه بالإمكان كتابتها أ. ن. أوين، أو بشيء من التخيّل يصبح الاسم مجهولاً.
صاحت فيرا: ولكن هذا خيال مجنون!
فأومأ القاضي برأسه بلطف وقال: أجل، هذا صحيح؛ ليس لديّ أيّ شك في أننا قد دُعينا إلى هنا بواسطة رجل مجنون، على الأرجح قاتل خطير مجنون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق