الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصل 13 - 14 - 15



الفصل الثالث عشر

-1-

واحد منّا ، واحد منّا ، واحد منّا ... كلمتان تكرّرَتا باستمرار وتردد ضجيجهما ساعة بعد ساعة في الرؤوس التي ما انفكّت تفكر فيهما. خمسة أشخاص يسكنهم الهلع، خمسة أشخاص يراقب بعضهم بعضاً، وأصبحوا بالكاد يكترثون لإخفاء توتر أعصابهم. لم يُعد بينهم سوى القليل من التظاهر في ذلك الوقت، واختفت طبقة المجاملات الرسمية الرقيقة من محادثاتهم. كانوا خمسة أعداء تربطهم معاً غريزة مشتركة للحفاظ على حياتهم.

وفجأة بدوا جميعاً دون مستوى البشر؛ كانوا ينحدرون إلى طبيعة أكثر وحشية، فجلس القاضي وارغريف مقوّساً ظهره كسلحفاة متربّصة وعيناه حادّتان ويقظتان. والمفتش السابق بلور بدا فظّاً أشعث يمشي كالدبّ وعيناه بحمرة الدم، وكان لوجهه ملامح الوحشية والغباء كما لو أنه وحش في وكره يوشك على الانقضاض على مطارديه. وفيليب لومبارد أصبحت أحاسيسه أكثر حدّة وأقلّ خموداً وأصبحت أذناه تستجيبان لأخفّ صوت، وأصبحت مشيته

أخفّ وأسرع وجسده أكثر رشاقة ولياقة، وأصبح كثير الابتسام كاشفاً عن أسنان طويلة بيضاء. وبدت فيرا كلايثورن هادئة جداً، وكانت تجلس معظم الوقت متكوّمة على نفسها في مقعدها وعيناها تحدّقان أمامها إلى الفضاء، وبدا وكأنها مصابة بالدّوار كطير ارتطم رأسه بالزجاج ورآه إنسان فجثم هناك خائفاً عاجزاً آملاً أن تنجيه عدم قدرته على الحركة. وآرمسترونغ كانت أعصابه في حالة يُرثى لها؛ كان يرتعش ويداه ترتجفان، وراح يدخّن اللفافة تلو الأخرى ويطفئها في الحال تقريباً، بدا أن وضع السكون المفروض عليهم يرهقه أكثر من غيره ، وكان بين الفينة والأخرى ينفجر بسيل من الكلمات العصبية فيقول مثلاً: يجب... يجب أن لا نجلس هنا دون أن نفعل شيئاً. يجب أن يكون لدينا ما نستطيع أن نفعله، بالتأكيد، بالتأكيد لدينا ما نستطيع أن نفعله . ماذا لو أشعلنا ناراً في الخارج...؟

قال بلور بصوت رصين: في هذا الطقس؟

عاد المطر ينهمر من جديد والريح تعصف بهبّات قوية، وكان صوت سقوط المطر المثير للكآبة يكاد يدفعهم إلى الجنون، وقد تبنّوا بموافقة صامتة خطة لتصرفاتهم، فكانوا جميعاً يجلسون في غرفة الجلوس ولا يُسمَح إلا لشخص واحد بمغادرة الغرفة في حين يبقى الأربعة الآخرون ينتظرون حتى عودته.

قال لومبارد: إنها مسألة وقت فقط. سوف يصفو الجو ونستطيع بعدها أن نفعل شيئاً؛ ترسل إشارات، نشغل ناراً، نبني طوفاً... أو أيّ شيء آخر.

فقال آرمسترونغ بضحكة متشنجة مفاجئة: مسألة وقت، وقت! ليس لدينا وقت، سنموت جميعاً.

قال القاضي وارغريف بصوت خفيض رصين وبنبرة تصميم:

ليس إذا كنّا حذرين علينا. أن نكون حذرين.

-2-

قُدّمت وجبة الغداء في موعدها ولكن دون الطقوس المعتادة، فقد ذهب الخمسة جميعاً إلى المطبخ معاً ووجدوا في خزانة الأطعمة كميّة وفيرة من الطعام المعلَّب، ففتحوا بعض العلب وتناولوا الطعام وقوفاً حول طاولة المطبخ، ثم تحركوا معاً كالقطيع عائدين إلى غرفة الجلوس، ليقعدوا ويراقب بعضهم بعضاً.

في ذلك الوقت غدت الأفكار التي تدور في رؤوسهم غير عادية وانفعالية ومريضة :

" إنه آرمسترونغ بالتأكيد؛ لقد رأيتُه وهو ينظر إليّ بطرف عينه حينذاك. إن له عينَي مجنون، مجنون تماماً! ربما لم يكُن طبيباً أصلاً. نعم ، بالطبع، إنه مجنون هارب من عيادة طبيب ما ويتظاهر بأنه طبيب، هذه هي الحقيقة، هل أخبرهم؟ هل أصرخ بأعلى صوتي؟ لا ؛ هذا سيجعله أكثر حذراً. ثم إنه يستطيع أن يبدو عاقلاً تماماً. كم الساعة الآن؟ الثالثة والربع فقط! يا إلهي! سوف أجَنّ. نعم، إنه آرمسترونغ، ها هو يراقبني الآن"...

" لن يصلوا إليّ ؛ أستطيع العناية بنفسي. لقد مرّت بي أوقات صعبة سابقاً. ولكن أين ذلك المسدّس؟ مَن أخذه؟ بحوزة من هو الآن؟ ليس بحوزة أحد، نحن نعرف ذلك؛ لقد تمّ تفتيشنا جميعاً ولا يمكن أن يكون بحوزة أيّ شخص. ولكن أحدنا يعرف أين هو "...

سيفقدون عقولهم، سيفقدون عقولهم جميعاً؛ فهم يخشون الموت، جميعناً نخشى الموت. أنا أخشى الموت، نعم ، ولكن هذا لا يمنع الموت من أن يأتي. أين قرأتُ عبارة تقول: " عربة نقل الموتى في الانتظار يا سيدي"؟ أين قرأت ذلك؟ الفتاة، سأراقب الفتاة؛ نعم، سأراقب الفتاة"...

" الرابعة إلا عشرين دقيقة؟ الرابعة إلا عشرين دقيقة فقط؟! ربما توقَفت الساعة عن الحركة. لا أفهم، نعم ، لا أفهم. أمر كهذا لا يمكن أن يحدث! ولكنه يحدث فعلاً، لماذا لا نفيق؟ نفيق! فقط لو كان باستطاعتي التفكير! رأسي... شيء ما يحدث في رأسي، رأسي سينفجر، سينفلق نصفَين! شيء كهذا لا يمكن أن يحدث! كم الساعة الآن؟ يا إلهي، الرابعة إلا الربع فقط؟!"...

" يجب أن أحتفظ بعقلي، يجب أن أحتفظ بعقلي. لو أنّي أستطيع الاحتفاظ بعقلي.. المسألة واضحة تماماً، كلها مخطَّطه سلفاً، ولكن يجب أن لا يشتبه أحد. قد تنجح الحيلة، يجب أن تنجح. مَن منهم؟ هذا هو السؤال، مَن منهم؟ أظنه ... نعم ، بالأحرى أظنه هو"...

عندما دقّت الساعة الخامسة انتفضوا جميعاً وقالت فيرا: هل يريد أحدٌ شاياً؟

سادت فترة صمت قصيرة ثم قال بلور: نعم، إذا سمحتِ.

ونهضت فيرا وهي تقول: سأذهب وأُعد الشاي، بإمكانكم جميعاً البقاء هنا.

فقال القاضي وارغريف بلطف: أعتقد أننا جميعاً نفضّل أن نأتي ونراقبك وأنت تُعدّينه يا سيدتي الشابة العزيزة.

فحدّقَت إليه فيرا ثم أطلقت ضحكة هستيرية قصيرة وقالت: طبعاً، لا بدّ أنكم تفضلون ذلك.

انتقل الخمسة إلى المطبخ حيث تمّ إعداد الشاي، ثم تناوَله فيرا وبلور، أما الآخرون فقد شربوا المرطبات، وقد فتحوا زجاجة جديدة وغمغم القاضي وهو يبتسم كالتمساح: يجب أن نكون حذرين جداً ثم عادوا إلى غرفة الجلوس . ورغم أن الفصل كان صيفاً إلا أنّ الغرفة كانت قد سادها الظلام. ضغط لومبارد زر الإنارة، ولكن الأضواء لم تشتعل فقال: طبعاً لم يتمّ تشغيل محرك الإنارة اليوم لأن روجرز غير موجود للقيام بذلك.

وتردد لحظة ثم قال: أعتقد أن بوسعنا الخروج جميعاً وتشغيل المحرك.

فقال القاضي وارغريف : في خزانة الطعام شموع، لقد رأيتها بنفسي ويمكننا استخدامها.

خرج لومبارد في حين جلس الأربعة يراقب بعضهم بعضاً، ثم عاد ومعه الشموع وكمّية من الأطباق الصغيرة، وأُشعلَت خمس شموع ووُزّعَت في أنحاء الغرفة. كانت الساعة عندئذ السادسة إلا الربع.

-3-

عند الساعة السادسة والثلث شعرت فيرا بأنّها لم تعُد تحتمل الجلوس هناك لمدة أطول، وقررَت أن تذهب إلى غرفتها وتأخذ حماماً بارداً تريح به رأسها المتعَب. نهضت وسارت باتجاه الباب، ثم تذكرَت فعادت وأخذت شمعة من الصندوق فأشعلتها وأسالت بضع نقط من الشمع في الطبق ثبّتت فيها الشمعة، ثم خرجَت من الغرفة مُغلِقة الباب خلفها وتارِكة الرجال الأربعة في غرفة الجلوس.

صعدت الدرَج ومشت في الممر إلى غرفتها، وعندما فتحت الباب توقفت فجأة وجمدت في مكانها... لقد شعرَت بخياشيم أنفها ترتعش! إنه البحر، هذه رائحة البحر في سينت تريدينيك ، هكذا كانت تلك الرائحة! لا يمكن أن تكون مخطئة بالطبع؛ المرء يشتمّ رائحة البحر على أيّ جزيرة، ولكن هذه الرائحة مختلفة. كانت هي الرائحة التي تتذكرها على الشاطئ في ذلك اليوم حينما كان البحر في حالة جَزْر والصخور مغطّاة بالأعشاب والشمس تجفّفها.

عادت بذاكرتها إلى الوراء وتذكّرَت: " هل أستطيع السباحة إلى الجزيرة يا آنسة كلايثورن؟ لماذا لا أستطيع السباحة إلى الجزيرة؟". طفل صغير سيّئ متذمر ومدلّل، ولولاه لكان هوغو غنيّاً وقادراً على الزواج بالفتاة التي أحبّها. هوغو، من المؤكد أن هوغو كان إلى جانبها، لا ، بل كان ينتظرها داخل الغرفة.

خطَت خطوة إلى الداخل، وهبّ تيَّار هواء من النافذة على الشمعة فارتعشت شعلتها قليلاً ثم انطفأت، وساد الظلام فتملّكها الخوف فجأة! تشجّعت فيرا كلايثورن قائلة لنفسها: لا تكوني حمقاء، لا تخافي، الآخرون في الطابق السفلي ولا أحد في الغرفة. لا يمكن أن يكون في الغرفة أحد؛ أنت تتخيلين الأشياء فقط.

ولكن تلك الرائحة، رائحة شاطئ سينت تريدينيك لم تكُن خيالاً، بل كانت حقيقة، وكان في الغرفة شخص! لقد سمعَت شيئاً، بالتأكيد سمعت شيئاً. وعندئذ وفيما هي واقفة هناك مصغية، شعرَت بيد باردة تلمس حنجرتها، يد رطبة تنبعث منها رائحة البحر!

-4-

صرخت فيرا ، صرخت وصرخت صراخ رعب قاتل، صرخات استنجاد فزعة يائسة. لم تسمع الأصوات القادمة من الأسفل ولا صوت كرسي ينقلب ولا صوت فتح باب ولا صوت أقدام الرجال تصعد الدرَج، بل كانت تشعر فقط برعب لا حدود له.

ثم استعادت بعض وعيها وشعرت بالأضواء ترتعش عند الباب وبالرجال يندفعون بسرعة داخل الغرفة، وسمعت صوت أحدهم يقول: ماذا حدث؟! يا إلهي! ماذا حدث؟

ارتجفت وخطَت خطوة إلى الأمام ثم انهارت على أرض الغرفة. كانت فقط نصف واعية حين أحسّت بشخص ينحني فوقها ويدفع برأسها بين ركبتيها، ثم سمعت صرخة تعجّب وقول أحدهم بسرعة: يا إلهي، انظروا ماذا هناك!

عاد إليها وعيها وفتحت عينيها ورفعت رأسها ، فرأت ما كان ينظر إليه الرجال الذين يحملون الشموع. كان شريط عريض من أعشاب البحر يتدلى من السقف، كان ذلك هو ما تأرجح في الظلام لامساً حنجرتها. كان ذلك ما ظنّته يداً رطبة، يداً غارقة عائدة من البحر لتُطبِق على عنقها وتنزع الحياة منها. فأخذت تضحك بهستيرية وقالت: كان ذلك أعشاب بحر، أعشاب بحر، هذا هو سبب الرائحة.

ثم اعتراها الشحوب مرة أخرى وغمرتها موجات وموجات من الغثيان، ومرة أخرى أمسك أحدهم برأسها ودفعه بين ركبتيها، وشعرت كأن دهوراً مرّت. كانوا يقدّمون لها شيئاً لتشربه وكانوا يضغطون بكأس على شفتيها، كأس تفوح منها رائحة عصير الليمون.

كانت على وشك أن تتجرع العصير شاعرة بالامتنان، ثم فجأة دقّت أجراس تحذير في رأسها فانتفضت معتدلة في جلستها ودفعت الكأس بعيداً وقالت بحدّة: من أين جاء هذا الشراب؟

جاء الجواب بصوت بلور محدّقاً إليها للحظة ثم قال: لقد أحضرتُه من الطابق السفلي.

فصرخت فيرا: لن أشربه.

سادت لحظة صمت ثم قال لومبارد ضاحكاً ومقدّراً: عظيم يا فيرا، أنتِ متماسكة بشكل جيّد رغم أنك فقدت نصف عمرك من الخوف، سأجلب زجاجة جديدة لم تُفتَح بعد.

وانطلق خارجاً بسرعة فقالت فيرا وهي غير متأكدة، أنا بخير الآن، سأشرب قليلاً من الماء.

ساعدها آرمسترونغ على الوقوف على قدمّيها، وذهبَت إلى الحوض وهي تتمايل وتمسك به حتى لا تسقط. فتحت الصنبور وسمحت للماء بالنزول في الحوض قليلاً ثم ملأت به كوباً في حين قال بلور ساخطاً: ذلك العصير لا بأس به.

فقال آرمسترونغ: وكيف عرفت؟

فقال بلور بغضب: لم أضع فيه شيئاً إن كان هذا ما تقصده.

قال آرمسترونغ: أنا لم أقُل إنك فعلت ذلك، ولكن في مثل حالتنا يجب أن نفترض أن أيّ شخص آخر قد عبث بالزجاجة.

دخل لومبارد الغرفة بسرعة، وكانت في يده علبة عصير جديدة دفعها تحت ناظرَي فيرا وقال: انظري يا فتاتي لا خداع مطلَقاً.

وفتح الزجاجة متابعاً: من حسن الحظ أن البيت فيه كمية وفيرة من المشروبات، كان ذلك بُعد نظر من السين أوين.

ارتجفَت فيرا بعنف وأمسك آرمسترونغ بالكأس في حين ملأها فيليب لومبارد وقال آرمسترونغ: من الأفضل أن تشربي هذا يا آنسة كلايثورن؛ لقد تعرضتِ لصدمة شديدة.

شربت فيرا بعض الليمون فعاد الدم إلى وجهها، وقال لومبارد ضاحكاً: حسناً، هذه جريمة لم تنفَّذ حسب الخطة.

قالت فيرا بما يشبه الهمس: هل تظن ذلك؟ هل كانت تلك هي الخطة؟

أومأ لومبارد موافقاً وقال: كان التوقّع أن تموتي خوفاً. بعض الناس قد يحدث لهم هذا، أليس كذلك يا دكتور؟

لم يرغب آرمسترونغ في إلزام نفسه بهذا الرأي فقال بتشكك: من المستحيل الجزم بذلك، إذا كان الشخص موضوع البحث شابّاً وبصحّة جيّدة ولا يعاني ضعفاً في القلب فهذا غير محتَمل، ولكن من ناحية أخرى...

والتقط كاس العصير التي أحضرها بلور وغمس إصبعه فيها فتذوّق الشراب بحذر شديد، فلم يتغير تعبير وجهه وقال بشيء من التردد: يبدو الطعم عاديًاً.

فاندفع بلور خطوة إلى الأمام وقال غاضباً: إذا كنتَ تعني أنني عبثت بذلك الشراب فسأطيح براسك الأحمر هذا.

أعاد العصير لفيرا عقلها فقالت مغيّرةً الموضوع: أين القاضي؟

نظر الرجال الثلاثة بعضهم إلى بعض وقال لومبارد: غريب! ظننتُه جاء معنا.

فقال بلور : وأنا أيضاً. ما الأمر يا دكتور؟ أنت الذي صعدت الدرج خلفي.

قال آرمسترونغ: كنت أظنه خلفي، فهو أبطأ منا طبعاً لأنه رجل عجوز.

ونظر بعضهم إلى بعض ثانية وقال لومبارد: هذا غريب جداً!

وصرخ بلور: يجب أن نبحث عنه.

وسار باتجاه الباب وتبعه الآخرون وفيرا خلفهم، وبينما كانوا ينزلون الدرَج قال آرمسترونغ وهو ينظر جانباً: ربما بقي في غرفة الجلوس بالطبع.

اجتازوا القاعة وصاح آرمسترونغ منادياً بصوت مرتفع: وارغريف، وارغريف، أين أنت؟

ولكنه لم يتلقَّ جواباً، وران صمت ثقيل على البيت إلاَ من صوت خفيف لسقوط الأمطار. وعند باب غرفة الجلوس وقف آرمسترونغ فجأة جامداً في مكانه، وتدافع الآخرون وأخذوا ينظرون من خلفه، وعلا صراخ أحدهم! كان القاضي وارغريف يجلس في كرسيه المرتفع في نهاية الغرفة وعلى جانبيه شمعتان تحترقان، ولكن ما صدم وأذهل المجموعة أنه كان ملفوفاً بقماش أحمر وقد وُضعت على رأسه لُمّه الشعر المستعار التي يلبسها القضاة!

أشار الطبيب إلى الآخرين بالبقاء خلفه ثم تقدّم هو نفسه إلى الشبح الذي بدا صامتاً جاحظ العينين، أنحنى إلى الأمام ونظر في الوجه الجامد، ثم بحركة سريعة أزاح لُمه الشعر المستعار فسقطت إلى الأرض كاشفة عن جبينه العالي المتصل بصلعه رأسه، وفي الوسط منه علامة مستديرة ملوَّثه كان قد نزف منها شيء ما، فرفع الدكتور آرمسترونغ اليد الجامدة وجس نبضها ثم استدار إلى الآخرين وقال بصوت ميّت خالٍ من التعبير: لقد أصيب برصاصة.

قال بلور: يا إلهي ، المسدّس!

وقال الدكتور بنفس الصوت الذي لا حياة فيه: أصيب برصاصة في رأسه قتلته في الحال!

وانحنت فيرا فنظرت إلى الشعر المستعار وقالت بصوت يرتجف رعباً: إنها لفّات الصوف الرمادي التي فقدَتها الآنسة برنت!

وأضاف بلور: والستارة الحمراء التي فُقِدت من الحمّام!

همست فيرا: لهذا السبب أرادوا هذه الأشياء.

وفجأة أطلق فيليب لومبارد ضحكة عالية غير طبيعية وقال: "خمسة جنود صغار ذهبوا إلى القضاء، أحدهم بقي في المحكمة فبقي أربعة"... هذه هي نهاية القاضي وارغريف الدمويّ. لم يعُد بوسعه إصدار مزيد من الأحكام هذه آخر مرة يرأس فيها الجلسة، لن يجُمل القضايا أو يرسل رجالاً أبرياء على الموت... كم كان إدوارد سيتون سيضحك لو كان هنا! يا إلهي، كم كان سيضحك!

سبّب اهتياجه صدمة وذهولاً للآخرين فصاحت فيرا: هذا الصباح فقط قلتَ إنه هو الشخص المجهول.

فتغيّر وجه فيليب لومبارد وبدا كأنه ثاب إلى رشده، وقال بصوت خافت: أعلم أنني قد قلت ذلك. حسناً، لقد كنتُ على خطأ. هذا واحد آخر منّا ثبتَت براءته.... بعد فوات الأوان.

* * *



الفصل الرابع عشر

-1-

حملوا جثة القاضي وارغريف إلى غرفته في الطابق العلويّ وسجّوه على سريره، ثمّ نزلوا ثانية ووقفوا في القاعة ينظر بعضهم إلى بعض.

قال بلور بصوت رصين: ماذا نفعل الآن؟

فقال لومبارد بسرعة: نأكل شيئاً، لا بدّ لنا أن نأكل شيئاً.

مرة أخرى ذهبوا إلى المطبخ، ومرة أخرى فتحوا علب طعام محفوظ وتناولوا الطعام بطريقة آليّة ودون تذوّق تقريباً. وقالت فيرا: لن آكل طعامًا معلّباً مرة أخرى.

انتهوا من تناول وجبتهم ثم جلسوا حول طاولة المطبخ ينظر بعضهم إلى بعض، وقال بلور: بقي أربعة منّا فقط. تُرى مَن سيكون التالي؟

حدّق إليه آرمسترونغ وقال بطريقة آلية تقريباً: يجب أن نكون حذرين.

ثم توقف عن الكلام فأومأ بلور موافقاً وقال: هذا ما قاله، وها هو ميّت الآن.

قال آرمسترونغ: أودّ لو أعرف كيف حدث هذا.

أطلق لومبارد سباباً ساخطاً وقال: يا لها من خدعة ماكرة لعينة! وُضِعت تلك الأعشاب البحرية في غرفة الآنسة كلايثورن فأدّت الدور الذي وُضِعت من أجله تماماً. الجميع هُرعوا إلى الأعلى ظنّاً منهم أنّها قد قُتلت، وخلال الفوضى التي سادت قام أحدهم باقتناص العجوز وهو في غفلة من أمره.

فقال بلور: لماذا لم يسمع أحدٌ صوتَ الرصاصة؟

فهزّ لومبارد رأسه وقال: كانت الآنسة كلايثورن تصرخ والريح تزأر ونحن نجري هنا وهناك ونصيح... لم يكُن ممكناً سماعها.

وتوقف لحظة ثم أكمل قائلاً: ولكن هذه الخدعة لن تنطلي علينا ثانية. على القاتل أن يجرب شيئاً آخر في المرة القادمة.

قال بلور: الأرجح أنه سيفعل.

كانت في صوته نبرة مقلقة. وتبادل الرجلان النظرات فيما قال آرمسترونغ: أربعة منّا، ولا نعرف من الذي...

قال بلور: أنا أعرف.

وقالت فيرا: ليس لديّ أدنى شك.

فقال آرمسترونغ ببطء: أعتقد أنني أعرف بالفعل.

وقال فيليب لومبارد: أعتقد أن لديّ فكرة جيّدة الآن.

ونظر الجميع بعضهم إلى بعض مرة أخرى، ثم نهضت فيرا مترنحة وقالت: أشعر بأنني لا أطيق نفسي. يجب أن أذهب إلى النوم؛ أنا منهكّة تماماً.

وقال لومبارد: وأنا أيضاً. لا جدوى من الجلوس هنا ليراقب بعضنا بعضاً.

قال بلور: لا مانع لديّ.

وغمغم الطبيب: هذا أفضل ما يمكن عمله، رغم أنني أشكّ أن أحداً منّا سيستطيع النوم.

وتحركوا باتجاه الباب في حين قال بلور: تُرى أين ذلك المسدّس؟

-2-

صعدوا الدرَج إلى الطابق العلويّ، وإلى حد كبير كانت الخطوة التالية تشبه مشهداً في مسرحية هزلية؛ فقد كان كُل منهم يمسك بمقبض باب غرفته، ثم دخلوا جميعاً غرفهم وأغلقوا الأبواب في وقت واحد كأنما حدث هذا بإشارة واحدة، وسُمِعت أصوات المزاليج والأقفال وتحريك قطع الأثاث.

أربعة أشخاص يملؤهم رعب مُميت تَتْرسوا في غرفهم حتى الصباح.

-3-

تنفس فيليب لومبارد بارتياح بعد أن وضع مقعداً تحت مقبض الباب، ثم مشى باتجاه طاولة الزينة، وعلى ضوء الشمعة المرتعش تفحّص وجهه بفضول وهمس يخاطب نفسه: هذه الحكاية تركت أثارها عليك تماماً

وفتح فمه فجأة بابتسامه تشبه تكشيرة الذئب، ثم ذهب إلى سريره فوضع ساعة يده على الطاولة المجاورة للسرير، ثم فتح درج الطاولة ووقف هناك ينظر إلى المسدّس الذي كان في داخل الدرَج!

-4-

استلقت فيرا كلايثورن على سريرها . كانت الشمعة لا تزال تشتعل إلى جوارها ولكنها لم تكُن قادرة على استجماع شجاعتها لإطفائها؛ كانت خائفة من الظلام، وقالت لنفسها مرة تلو المرّة: لا خوف عليك حتى الصباح، لم يحدث شيء ليلة أمس ولن يحدث شيء الليلة، لا شيء يمكن أن يحدث ؛ أنتِ في غرفة مغلّقة بقفل ورِتاج ولا أحد يستطيع الاقتراب منك.

وفكرت فجأة قائلة لنفسها: طبعاً أستطيع البقاء هنا، هنا في الغرفة المغلّقة. الطعام ليس مهمّاً! أستطيع البقاء هنا في أمان حتى تصل النجدة، حتى لو تأخر ذلك يوماً أو يومين.

تبقى هنا ، نعم . ولكن هل تستطيع – فعلاً – البقاء ساعة بعد ساعة دون التحدث مع أحد ودون عمل أيّ شيء غير التفكير فقط؟ ستبدأ بالتفكير في كورنوول ، في هوغو، وفيما قالته لسيريل ذلك الولد القميء المتذمر الكريه الذي يضايقها دائماً.

- آنسة كلايثورن، لماذا لا أستطيع السباحة إلى الصخرة؟ أنا أستطيع، أعرف أنني أستطيع.

هل كان صوتها هو الذي أجابه قائلاً: " طبعاً تستطيع يا سيريل، تستطيع فعلاً، أنا أعرف ذلك"؟

- إذن هل أذهب يا آنسة كلايثورن؟

- حسناً، أسمع يا سيريل، أمّك تقلق عليك جداً. سأخبرك شيئاً، بإمكانك غداً أن تسبح إلى الصخرة، سأتحدث مع أمك على الشاطئ وألهيها عنك، وعندما تفتقدك ستكون أنت هناك على الصخرة تلوّح لها. سوف تكون مفاجأة.

- حقاً؟ أنت سيدة ممتازة يا آنسة كلايثورن، ستكون مغامرة رائعة!

كانت قد قالتها، غداً. هوغو كان ذاهباً إلى نيوكواي، وعند عودته سيكون كل شيء قد انتهى. ولكن لنفرض أن الأمور لم تَسِر على هاذ النحو، لنفرض أنّ حادثّا وقع. ربما أمكن إنقاذ سيريل في الوقت المناسب، وعندها سيقول سيريل: " الآنسة كلايثورن سمحَت لي " . حسناً، وماذا في ذلك؟ على المرء أن يخاطر قليلاً أحياناً إذا حصل المحذور فبإمكانها الإنكار بصلافة فتقول: كيف تستطيع اختلاق كذبة كهذه يا سيريل؟ طبعاً أنا لم أسمح لك قط.

وسوف يصدّقونها؛ فسيريل كان يروي قصصاً من هذا النوع، كان ولداً كاذباً. سيريل سيعرف طبعاً، ولكن ذلك لا يهمّ. وعلى أيّ حال لن يقع أيّ خطأ. ستتظاهر بأنها تسبح خلفه، ولكنها ستصل متأخرة ولن يشك أحد في أمرها.

هل شك هوغو؟ هل كان ذلك هو السبب في نظرته إليها بتلك الطريقة الغريبة كأنه لا يعرفها؟ هل عرف هوغو؟ هل كان ذلك سبب مغادرته بتلك السرعة بعد انتهاء التحقيق؟ إنه لم يرّد على الرسالة الوحيدة التي أرسلتها له ، هوغو....

تململت فيرا قلقة في سريرها وقالت لنفسها: يجبّ أن لا أفكّر فيه.

كان ذلك يؤلمها كثيراً، ولكنه انتهى ويجب أن تنساه. لماذا شعرت فجأة في ذلك المساء بأنه كان معها في الغرفة؟ حدّقت إلى السقف ونظرت إلى العلاّقة المتدلّية من السقف وسط الغرفة. لم تنتبه من قبل إلى تلك العلاقة التي كانت الأعشاب البحرية تتدلّى منها.

وارتجفَت حين تذكرَت تلك اللمسة الباردة الرطبة على عنقها. لم تعجبها تلك العلاّقة المتدلية من السقف؛ إنها تجذب نظرك وتدهشك . كم هي سوداء وكبيرة!

-5-

جلس المفتش السابق بلور على طرف سريره. كانت عيناه الصغيرتان بلون الدم محاطتين بهالتين حمراوين، وبدتا يقظتين وسط كتلة وجهه الصلبة. كان كالخنزير البري الذي يوشك أن ينقضّ. لم يكُن ميّالاً إلى النوم وكان يعلم أن الخطر قريب جداً في ذلك الوقت، فقد مات ستة من عشرة، حتى إن القاضي العجوز كانت نهايته كالآخرين رغم كل ذكائه وحذره ودهائه.

تنهّد بلور بارتياح وحشي وهو يتذكّر قول القاضي العجوز: " يجب أن نكون حذرين جداً" . المنافق العجوز المعتدّ بنفسه الذي يعتقد أنه أصلح الناس، يجلس في المحكمة وهو يشعر كما لو كان ملك الملوك. لقد نال نصيبه وانتهى ولن ينفعه الحذر مرة أخرى.

والآن كان هناك أربعة منهم، الفتاة ولومبارد وآرمسترونغ وهو نفسه. وقريباً جداً سيذهب شخص آخر منهم، ولكنه لن يكون هنري بلور؛ سوف يعمل على التأكد من ذلك. ولكن ماذا عن المسدّس؟ كان ذلك هو الشيء المزعج ، المسدّس.

جلس بلور على سريره وقد زوى حاجبَيه وتغضنَت أجفانه حول عينيه الصغيرتين وأخذ يفكّر بمشكلة المسدّس. وكسر الصمتَ صوتُ دقّات الساعة في الطابق السفليّ معلناً منتصف الليل، فاسترخى قليلاً، بل بلغ به الأمر أنه استلقى على السرير ، ولكنه لم ينزع ملابسه، استلقى هناك مفكّراً، استعرض الماضي كله من البداية وبطريقة منهجية وبالتفصيل كما أعتاد أن يفعل أيام عمله في الشرطة. كانت الدراسة الشاملة للقضية هي ما يحقّق النجاح في النهاية. كانت الشمعة تحترق. وفيما كان يحاول النظر ليرى إذا كانت علبة الثقاب في متناول يده عثرَت يده بالشمعة فانطفأت، ولدهشته جعلته الظلمة قلقاً! بدا كما لو كانت مخاوف ألف سنة قد استيقظت وأخذت تتصارع في عقله لتقلقه. تراءى له طيف بعض وجوه في الهواء، وجه القاضي وهو متوَّج بتلك اللُمّة الصوفية الرمادية، والوجه البارد الميّت للسيدة روجرز، والوجه القرمزي المتشنّج لأنتوني مارستون، ثم وجه آخر شاحب ذو نظارات وشارب صغير بلون القش، وجه رآه ذات مرة، ولكن متى؟ ليس على الجزيرة بل قبل ذلك بوقت طويل، غريب أن لا يستطيع تذكّر الاسم ! وجه من النوع الساذج، كان يبدو كالأبله.

فجأة تذكّره، تذكّره وهو يحسّ بصدمة حقيقية، إنه لاندور. من الغريب أن يكون قد نسي كلّياً كان لاندور يبدو. أمس فقط كان يحاول تذكّر وجه ذلك الرجل ولم يستطع، والآن ها هو يرى بخياله كل ملامحه واضحة ومحدّدة كما لو كان رآها أمس فقط!

كان للاندور زوجة، امرأة نحيلة ذات وجه قلق، وكان لهما طفلة أيضاً، بنت في نحو الرابعة عشرة، وتساءل للمرة الأولى فيما يمكن أن يكون قد حدث لهما، البنت وأمها.

انطلق الإنذار عالياً مرة ثانية في عقله: " المسدّس، ماذا حدث للمسدّس؟ هذا أكثر أهمية بكثير *. وكلما فكّر أكثر في أمر المسدّس ازدادت حيرته، ولم يستطع فهم حكاية المسدّس هذه. أحد الأشخاص في هذا البيت يحمل ذلك المسّدس.

في الطابق السفليّ دقّت الساعة الواحدة، وانقطع حبل أفكاره وجلس على السرير متيقظاً فجأة حين سمع صوتاً، صوتاً خافتاً جداً في مكان ما خارج باب غرفته، كان شخص ما يتحرك في ظلام البيت، فشعر بلور بالعرق يتفصّد من جبينه. مَن الذي يتحرك خلسة وبصمت في الممرات؟ لا بدّ أنه ينوي شرّاً ، هذا شيء أكيد.

نزل بلور عن السرير دون إصدار صوت، ورغم بنيته الضخمة استطاع أن يصل الباب في خطوتين فقط ووقف مُرهِفاً السمع، ولكن الصوت لم يأتِ ثانية. إلاّ أنّ بلور كان مقتنعاً أنه لم يكُن مخطئاً؛ لقد سمع وقع أقدام خارج الباب تماماً. أحس بشعر رأسه يقف قليلاً وبالخوف يعود ثانية.

كان متأكداً أن شخصاً يتحرك خلسة في الليل، فأرهف سمعه، ولكن الصوت لم يتكرر. وسيطرت عليه رغبة جديدة في تلك اللحظة؛ أراد أن يخرج بأي وسيلة ليتحقق من الأمر. لو استطاع فقط أن يعرف مَن هذا الذي يتسلل في هذا الظلام... ولكنّ فُتح الباب تصرف أحمق، والأغلب أن هذا بالضبط ما كان الشخص الآخر ينتظره، بل ربما تعمّد أن يسمع بلور الصمت على أمل استفزازه للخروج لمعرفة مصدر الصوت.

وقف بلور جامداً يصغي، وأصبح بوسعه سماع أصوات في كل مكان في ذلك الوقت، صوت صرير، أزيز، همسات غامضة... ولكن عقله العنيد الواقعي عرف ماهية تلك الأصوات، كان يعلم أنها من اختلاق خياله المهتاج، و... فجأة سمع شيئاً لا علاقة له بالخيال، سمع وقع خطوات خفيفة جداً وحذرة جداً، ولكنها مسموعة بوضوح بالنسبة لرجل يرهف سمعه تماماً كما كان بلور يفعل. تحركَت الخطوات بخفة في الممر (كانت غرف لومبارد وآرمسترونغ أبعد عن رأس الدرَج من غرفته) واجتازت باب غرفته دون تردّد أو اضطراب، وعند ذلك اتخذ بلور قراره، قرّر أن يرى صاحب الخطوات . مرّت الخطوات من أمام بابه متجهة نحو الدرَج بكل تأكيد، فتساءل بلور أين كان ذلك الرجل ذاهباً؟

عندما بدأ بلور تنفيذ قراره نفّذه بسرعة مدهشة بالنسبة لرجل ضخم وبطيء مثله، فعاد على أطراف أصابعه إلى السرير ووضع علبة الثقاب في جيبه وفصل قابس المصباح الكهربائي من جانب سريره ولفّ عليه السلك. كان المصباح من الكروم وله قاعدة ثقيلة، كان سلاحاً مفيداً.

قفز بسرعة وأزاح الكرسي من تحت مقبض الباب، وبمنتهى الحذر فتح قفل الباب ورفع المزلاج وخرج إلى الممر. كان في القاعة في الطابق السفلي صوت خافت، فركض بلور حافياً إلاّ من جوربَيه إلى قمة الدرَج دون أدنى صوت.

في تلك اللحظة أدرك لماذا كان قد سمع كل تلك الأصوات بذلك الوضوح. كانت الريح قد هدأت تماماً، ولا بدّ أن السماء قد أصبحت صافية. كان ينساب من نافذة قمة الدرَج ضوء قمر شاحب ويضيء القاعة في الطابق السفلي، ولمح بلور شبحاً يخرج من الباب الأمامي للمنزل في لحظة عابرة ، فهُرع ينزل الدرَج لمطاردة الشبح، إلا أنه توقف فجأة! مرة أخرى كاد يجعل من نفسه مغفَّلاً؛ فربما كانت هذه مصيدة لاستدراجه خارج البيت، ولكنّ الذي لم يدركه الرجل الآخر هو أنه قد أرتكب خطأ وأنه قد أوقع نفسه بين يدَي بلور؛ فمِن بين الغرف الثلاث المشغولة في الطابق العلوي هناك واحدة يجب أن تكون خالية في تلك اللحظة، وما عليه الآن سوى أن يعرف أي الغرف هي الخالية.

عاد بلور بهدوء وسار في الممر، ثم توقف عند باب الدكتور آرمسترونغ أولاً ودقّ الباب، ولكن لم يُجِب أحد، فانتظر دقيقة ثم ذهب إلى غرفة فيليب لومبارد ودقّ الباب، فجاء جواب لومبارد فوراً قائلاً: مَن هناك؟

- أنا بلور . لا أظن أن آرمسترونغ في غرفته، انتظر لحظة.

ثم ذهب إلى باب الغرفة الموجودة في نهاية الممرّ ودقّ الباب أيضاً هاتفاً : آنسة كلايثورن. آنسة كلايثورن.

فأجابته فيرا فزعة: من هذا ؟ ما الأمر؟

- لا شيء يا آنسة كلايثورن، انتظري لحظة، سأعود بعد قليل.

ورجع بسرعة إلى غرفة لومبارد فانفتح الباب تلك اللحظة وخرج لومبارد يحمل شمعة في يده اليسرى. كان قد ارتدى بنطاله فوق ثياب النوم ووضع يده اليمنى في جيب ثوب النوم وقال بحدّة: ما الأمر؟!

شرح بلور الوضع بسرعة فلمعَت عينا لومبارد قائلاً: آرمسترونغ! هو صيدنا إذن.

ومشى إلى باب آرمسترونغ مُضيفاً: آسف يا بلور، ولكنّي لا أقبل شيئاً بثقة عمياء.

وطرق بشدّة على إطار الباب صارخاً: آرمسترونغ ، آرمسترونغ. ولمّا لم يجد جواباً ركع لومبارد على ركبتيه ونظر من ثقب المفتاح، ثم أدخل إصبعه الصغير في الثقب بحذر وقال: المفتاح ليس في مكانه بالداخل.

فقال بلور: هذا يعني أنه أثقل الباب من الخارج وأخذ المفتاح معه.

فأومأ فيليب موافِقاً وقال: إنه إجراء احتياطي عادي. سنمسك به يا بلور، هذه المرّة سنمسك به. انتظرني لحظة واحدة فقط.

وانطلق عائداً إلى غرفة فيرا فناداها قائلاً: فيرا، فيرا.

- ماذا ؟

- نحن نبحث عن آرمسترونغ؛ فهو ليس في غرفته. لا تفتحي بابك مهما كان الأمر، أفهمتِ؟

- نعم، فهمت.

- إذا جاء آرمسترونغ وقال إنني قُتلت أو إن بلور قُتل فلا تُعيريه انتباهاً، أفهمتِ؟ لا تفتحي بابك إلاَ إذا تحدّثنا إليك بلور وأنا معاً. هل فهمت ذلك؟

قالت فيرا: نعم، أنا لست غبية إلى هذا الحد.

قال لومبارد : ممتاز.

ثم انضمّ إلى بلور وقال: والآن لننطلق خلفه. لقد بدأت المطاردة.

قال بلور: الأفضل أن نكون حذرَين؛ فلديه مسدّس، أتذكر؟

ضحك لومبارد ضحكة خافتة فيما كان يسرع نازلاً الدرَج وقال: أنت على خطأ في هذا.

وفتح الباب الأمامي ثم قال ملاحِظاً: سقّاطة القفل محوَّلة إلى الخلف لكي يستطيع فتح الباب عند العودة.

ثم تابع بابتسامة ماكرة: والمسدّس موجود معي.

وسحب طرف المسدّس من جيبه وهو يقول: وجدتُه قد وُضع ثانية في درجي الليلة.

وقف بلور جامداً على عتبة الباب وتغيرَت ملامح وجهه، ورأى فيليب لومبارد ذلك فقال: لا تكُن بهذه الحماقة يا بلور، أنا لا أنوي قتلك. عُد ثانية وتَترْس في غرفتك إذا شئتَ، وأنا سأذهب لأبحث عن آرمسترونغ.

وانطلق في ضوء القمر، فتبعه بلور بعد فترة تردّد قصيرة وهو يقول لنفسه: أحسب أنني أسعى إلى حتفي بنفسي.

ولكن المسألة – في النهاية – أنه سبق له التعامل مع مجرمين يحملون مسدّسات، وأيّاً كانت الفضائل التي تنقصه فالشجاعة ليست من بينها، فليكُن في مواجهة الخطر، وسيواجهه بكل شجاعة، لم يكُن يخشى المواجهة المفتوحة، ولكن الخطر المجهول فقط.

-6-

نهضت فيرا التي كانت قد تُركت لانتظار النتائج فارتدت ملابسها ثم نظرت إلى الباب مرة أو مرتين. كان باباً صُلباً جيّداً وكان مقفَلاً ومغلَقاً بالمزلاج إضافة إلى كرسي من خشب البلوط تحت المقبض. لم يكُن ممكناُ خلع الباب بقوة، خصوصاً من قِبل الدكتور آرمسترونغ الذي لم يكن قوياً جسمانياً.

لو كانت هي آرمسترونغ وكانت تنوي ارتكاب جريمة لاستخدمت المكر لا القوة. وأخذت تسلّي نفسها بالتفكير في الوسائل التي قد يستخدمها، قد يُعلن أن احد الرجلَين الآخرَين قد مات كما قال فيليب، أو قد يتظاهر بأنه أصيب بجراح قاتلة هو نفسه، وقد يجرّ نفسه إلى بابها وهو يئن. كما يمكن أيضاً أن يخبرها أن النار تشتعل في البيت، وأكثر من ذلك فربما قام فعلاً بإضرام النار في البيت... نعم، هذا احتمال ممكن، يستدرج الرجلين الآخريَن خارج البيت بعد أن يكون قد سكب بعض الوقود في الداخل، ثم يشعل النار وتبقى هي كالحمقاء حابِسةً نفسها في غرفتها حتى يكون الوقت قد فات.

مشت إلى النافذة قائلة لنفسها: لا بأس: يستطيع الإنسان الفرار من النافذة بسهولة. كل ما هنالك القفز إلى حوض زهور قريب.

ثم جلست فالتقطت دفتر مذكراتها وبدأت تكتب فيه بسهولة ووضوح وهي تقول لنفسها: لا بدّ للمرء أن يجد طريقة لتمضية الوقت.

وفجأة جمدت متنبهة وقد سمعت صوتاً ! وخطر لها أنه كان صوتاً يشبه صوت تحطّم زجاج، وقد جاء الصوت من مكان ما في الطابق السفليّ. أصغت بشدّة ولكن الصوت لم يتكرر ثانية، وسمعت (أو خُيّل إليها أنها سمعت) صوت خطوات مختلَسة وصرير الدرَج واحتكاك ملابس، ولكن لم تكُن تسمع شيئاً محدَّداً، فخلصت إلى النتيجة التي كان بلور قد انتهى إليها من قبل وهي أن أصل هذه الأصوات في مخيْلتها فقط.

ولكنها سرعان ما سمعت أصواتاً ذات طبيعة مؤكّدة، أصوات أشخاص يتحركون في الطابق السفلي وغمغمة أصوات، ثم صوتاً مؤكَّداً لشخص يصعد الدرَج، ثم أبواباً تُفتَح وتُغلَق وأقداماً تصعد إلى السطح العلوي، ثم مزيداً من الصوت هناك، وأخيراً جاءت أصوات الخطوات من الممر وسمعت صوت لومبارد يقول: فيرا، هل أنت بخير؟

- نعم ، ماذا جرى؟

وسمعت صوت بلور يقول: هلاّ فتحت لنا الباب؟

ذهبت فيرا إلى الباب فأزاحت الكرسي وفتحت القفل وسحبت المزلاج، ثم فتحت الباب فظهر الرجلان وهما يتنفسان بصعوبة، وكانت أقدامهما والأجزاء السفلى من بنطاليَهما تقطر ماء، فأعادت السؤال: ماذا جرى؟

قال لومبارد: اختفى آرمسترونغ!

-7-

صرخت فيرا: ماذا؟!

فقال لومبارد: اختفى من الجزيرة تماماً.

فأكّد بلور قائلاً: نعم ، اختفى . هذا ما حدث، اختفى كحاوٍ وغد يقوم بحيلة.

قالت فيرا بصبر نافد: هراء! إنه يختبئ في مكان ما بالتأكيد.

فقال بلور: لا ، لا يمكن؛ لا يوجد مكان للاختباء في هذه الجزيرة فهي جرداء كباطن اليد، وضوء القمر في الخارج وكل شيء واضح كالنهار. إنه غير موجود في أيّ مكان.

قالت فيرا: لعلّه عاد أدراجه إلى البيت.

فقال بلور: لقد خطر لنا ذلك ففتشنا البيت، ولا بدّ أنك سمعتنا. آرمسترونغ ليس هنا، أؤكد لك أنه قد اختفى.. اختفى تماماً، تبخّر في الهواء.

قالت فيرا بتشكّك: لا أصدق ذلك.

فقال لومبارد: هذه هي الحقيقة يا عزيزتي.

وتوقف لحظة ثم قال: توجد حقيقة صغيرة أخرى. لقد كُسر أحد ألواح الزجاج في نافذة غرفة الطعام، ويوجد ثلاثة جنود صغار فقط على الطاولة!

* * *




الفصل الخامس عشر


-1-


ثلاثة أشخاص جلسوا في المطبخ يتناولون طعام الإفطار.

أشرقت الشمس في الخارج وكان الجو جميلاً. العاصفة صارت مجرَّد ذكرى من الماضي، ومع تغيّر الطقس حدث تغيّر في مزاج السجناء الموجودين في الجزيرة فبدوا مثل أشخاص استيقظوا للتوّ من كابوس. كان هناك خطر، نعم ، ولكنه كان خطراً في وضح النهار. اختفى ذلك الجو الذي شلّهم خوفاً والذي التفّ حولهم كغطاء الأمس، في حين كانت الريح تعوي في الخارج.

قال لومبارد: سنحاول اليوم إرسال إشارات مستخدِمين مرآة من أعلى نقطة في الجزيرة، ولا بدّ أن شابّاً نابهاً يتجول على الشاطئ سيفهم إشارة الاستغاثة حين يراها. آمل ذلك؛ وفي المساء يمكننا أن نشعل ناراً، ولكن المشكلة أنه لا يوجد الكثير من الحطب، ثم إنهم قد يأخذونها فقط على أنها غناء ورقص ولهو.

قالت فيرا: لا بدّ أنّ أحداً يستطيع قراءة إشارات موريس، وعندها سيأتون لأخذنا قبل حلول المساء بوقت طويل.

فقال لومبارد: صحيح أن الجوف صاف الآن، ولكن البحر ما زال عالياً والموج مرتفع جداً، ولن يكون بوسعهم إرسال قارب إلى الجزيرة قبل الغد.

فصاحت فيرا : ليلة أخرى في هذا المكان!

هزّ لومبارد كتفيه وقال: يتعيّن علينا مواجهة ذلك. أظن أن أربعاً وعشرين ساعة ستكون كافية، وإن استطعنا البقاء حتى ذلك الحين فسوف نجتاز الأزمة.

تنحنح بلور وقال: من الأفضل أن نصل إلى فهم واضح لمسألة آرمسترونغ وما حلّ به.

فقال لومبارد: حسناً، لدينا دليل واحد، يوجد فقط ثلاثة تماثيل خزّفية لجنود صغار على الطاولة، يبدو كما لو أن آرمسترونغ قد لقي حتفه.

قالت فيرا: إذن فلماذا لم تجدا جثته؟

قال بلور: بالضبط.

هزّ لومبارد رأسه وقال: إنها مسألة غريبة، لغز يصعب فهمه!

قال بلور بتشكك: ربما ألقيَت جثته في البحر.

فقال لومبارد بحدّة: ومَن ألقاها؟ أنت ؟ أنا لقد رأيتَه بنفسك يخرج من الباب الأمامي ثم عدَت ووجدتني في غرفتي، وخرجنا فبحثنا معاً. متى كان يمكن أن أقتله وأحمل جثته حول الجزيرة بالله عليك؟

قال بلور: لا أعرف، ولكني أعرف شيئاً واحداً.

قال لومبارد: ما هو؟

فقال بلور: المسدّس.... مسدّسك بحوزتك الآن، ولا يوجد ما يثبت أنه لم يكُن بحوزتك طول الوقت.

- ماذا تقول يا بلور؟! لقد تمّ تفتيشنا جميعاً.

- أجل، ولكن ربما كنت خبّأته قبل التفتيش ثم استعدتَه بعد ذلك.

- أيها الأحمق الساذج! أقسم لك إنه أُعيدَ وضعه في درجي، وكانت أكبر مفاجأة حدثت لي في حياتي عندما شاهدته هناك.

قال بلور: أتطلب منّا أن نصدّق شيئاً كهذا؟ لماذا يعيد آرمسترونغ أو أيّ شخص آخر المسدّس إلى درجك؟

رفع لومبارد كتفيه في حيرة وقال: ليست لديّ أدنى فكرة. هذا جنون، آخر ما يمكن للمرء أن يتوقعه. يبدو تصرفاً لا هدف له.

وافق بلور قائلاً: أجل، ليس له أيّ هدف، كان بوسعك أن تأتي بفكرة أفضل.

- إذن فربما كان هذا دليلاً على أنني أقول الحقيقة، أليس كذلك؟

- أنا لا أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة.

- قال فيليب: لا تنظر إلى الأمر بهذه الطريقة؟

قال بلور: أصغ إليّ يا سيد لومبارد، إذا كنتَ رجلاً شريفاً كما تحاول أن تبدو..

فغمغم لومبارد مقاطِعاً: متى سبق لي أن زعمت بأنّي رجل شريف؟ أنا لم أقُل ذلك قط.

واصل بلور متغابياً: إذا كنتَ تقول الحقيقة فما يمكن فعله هو شيء واحد، ما دام المسدّس معك فسنبقى أنا والآنسة كلايثورن تحت رحمتك ، والشيء الوحيد الصحيح هو وضع ذلك المسدّس مع الأشياء الأخرى في الصندوق المقفَل، وسيبقى مفتاح معي وآخر معك.

قال فيليب لومبارد ببرود: لا تكُن أبله.

- ألا توافق على ذلك؟

- بالطبع لا أوافق، هذا المسدّس لي وأنا أحتاجه للدفاع عن نفسي، وسأحتفظ به.

فقال بلور: في هذه الحالة لا بد من الوصول إلى استنتاج واحد.

- بأنني أنا السيد أوين؟ استنتج كما يحلو لك، ولكني سأسألك : إذا كان هذا صحيحاً فلماذا لم أقتلك بذلك المسدّس ليلة أمس؟ لقد سنحت لي الفرصة أن أفعل ذلك نحو عشرين مرة.

هزّ بلور رأسه وقال: لا أعرف، هذه حقيقة. لا بدّ أنه كان لديك سبب.

لم تكُن فيرا قد شاركت في الحديث حتى تلك اللحظة فتململت وقالت: أعتقد أنكما تتصرفان كشخصين أحمقَين.

نظر إليها لومبارد وقال: ما هذا الذي تقولينه؟!

فقالت فيرا: لقد نسيتم أبيات الأنشودة، ألا ترون أن فيها دلائل؟

وأعادت قراءة بعض الأبيات بنبرة ذات معنى قائلة: " أربعة جنود صغار ذهبوا إلى البحر، سمكة رنجة حمراء ابتلعت أحدهم فبقي ثلاثة". ثم تابعت وهي تنظر نحوهما: سمكة رنجة حمراء... هذا هو الدليل الحيوي. آرمسترونغ ليس ميتاً، لقد أخذ معه تمثال الجندي ليجعلكم تعتقدون أنه مات. بوسعكم أن تقولوا ما تشاؤون ولكن آرمسترونغ ما زال على الجزيرة، واختفاؤه ليس سوى وسيلة لصرف نظركم عن شيء معيَّن .

جلس لومبارد ثانية وقال: أتعرفين؟ قد تكونين على حق.

قال بلور: أجل، ولكن إذا صح ذلك فأين هو؟ لقد فتشّنا المكان بدقة.

قالت فيرا بتشكّك: لقد بحثنا جميعاً عن المسدّس. ولم نجده، أليس كذلك؟ ولكنه كان موجودا ً في مكان ما طوال الوقت.

فغمغم لومبارد: يوجد فرق صغير في الحجم – يا عزيزتي – بين رجل ومسدّس.

قالت فيرا: هذا لا يهمني، أنا متأكدة من أنني على صواب.

وغمغم بلور: كأنما هو قد دلّ على نفسه حين ذكر سمكة رنجة حمراء في الأنشودة، أليس كذلك؟ كان بوسعه كتابتها بطريقة مختلفة

فصاحت فيرا: ولكن ألا تفهمان؟ إنه مجنون، كل هذا جنون؛ تطبيق أبيات تلك الأنشودة جنون، تلبيس القاضي ومقتل روجرز بالبلطة عندما كان يقطع الحطب، تنويم السيدة روجرز بحيث راحت في سُبات أبدي، ترتيب ظهور نحلة طنّانة عند موت الآنسة برنت.. هذا كله يبدو كما لو أن طفلاً يلعب لعبة مرعبة. كل شيء يجب أن يأتي متطابقاً.

فقال بلور : أجل ، انتِ على حق.

وفكّر دقيقة ثم أضاف: على أيّ حال لا توجد حديقة حيوانات في الجزيرة، سيواجه بعض الصعوبة في هذه النقطة.

فصاحت فيرا: ألا ترى؟ نحن حديقة الحيوانات! ليلة أمس لم نكَد نكون مخلوقات بشرية. نحن حديقة الحيوانات!

-2-

قضوا الصباح على السفوح الصخرية المقابلة للبر الرئيسي يتناوبون على إرسال الإشارات باستخدام مرآة، ولكن لم يظهر أيّ دليل على أنّ أحداً قد رآهم ولم يتلقّوا أية إشارة إجابة. وكان الطقس صافياً ومشوباً بضباب خفيف، وفي الأسفل كان البحر عالي الموج ولم تكُن فيه قوارب.

كانوا قد قاموا بجولة تفتيش أخرى فاشلة ولم يعثروا على أيّ أثر للطبيب المفقود، ونظرت فيرا إلى البيت من حيث كانوا يقفون وقالت بنفَس متقطع بعض الشيء: المرء يشعر بأمان أكثر هنا في العراء. لا أريد العودة إلى البيت مرة أخرى.

قال لومبارد: إنها فكرة جيدة؛ نحن بأمان تامّ هنا ولا أحد يستطيع أن يصل إلينا قبل أن نراه من مسافة بعيدة.

قالت فيرا: سوف نبقى هنا.

فقال بلور: لا بدّ لنا من قضاء الليل في مكان ما، وسوف يتعيّن علينا العودة إلى البيت عندئذ.

ارتعشت فيرا وقالت: لا أستطيع تحمّل ذلك، لا أستطيع قضاء ليلة أخرى هناك.

قال فيليب: ستكونين آمنة بما فيه الكفاية عندما تغلقين عليك باب غرفتك.

فغمغمت فيرا: أعتقد ذلك. وتمطّت مادّة ذراعَيها وغمغمت: ما أحلى الإحساس بالشمس مرة أخرى!

ثم فكّرت في نفسها: يا للغرابة! أكاد أكون سعيدة، ومع ذلك أحسب أنني في خطر حقيقي. الآن يبدو – على نحو ما – أنه لا شيء يهمّ، ليس في ضوء النهار. أشعر بأنني مليئة بالقوة ، أشعر أنني لا يمكن أن أموت!

نظر بلور إلى ساعته وقال: الساعة الآن الثانية، ماذا عن الغداء؟

فقالت فيرا بإصرار: لن أعود إلى البيت، سأبقى هنا في العراء.

- ما هذا يا آنسة كلايثورن؟ تعرفين أنه لا بدّ لك من المحافظة على قوّتك.

فقالت فيرا: سوف أُصاب بالغثيان إذا رأيت علبة طعام أخرى. لا أريد أيّ طعام... الناس يُمضون أياماً دون طعام عندما يلتزمون ببرنامج للنحافة .

قال بلور: حسناً، أما بالنسبة لي فأنا أحتاج إلى وجبات منتظمة . ماذا عنك يا سيد لومبارد؟

ردّ فيليب: بصراحة أنا أيضاً لا تروق لي كثيراً فكرة الأطعمة المعلَّبة. سأبقى هنا مع الآنسة كلايثورن.

تردد بلور فقالت فيرا: سأكون بخير تماماً، ولا أظن أنه سيطلق النار عليّ بمجرَّد أن تدير ظهرك.. إذا كان هذا ما يقلقك.

قال بلور: لا بأس إذا كان هذا رأيك، ولكننا اتفقنا على أن لا نفترق.

فقال فيليب: أنت الذي تريد الذهاب إلى عرين الأسد، سآتي معك إذا رغبت.

- لا ، لن تأتي؛ ابقَ هنا.

فضحك فيليب وقال: إذن فأنت لا تزال خائفاً منّي. لماذا؟ أستطيع أن أقتلكما أنتما الاثنين حالاً لو أردتُ.

قال بلور: اجل، ولكن هذا لن يكون مطابقاً للخطة. شخص واحد فقط في كل مرة، ويجب أن يتمّ ذلك بطريقة معيّنة.

قال فيليب: حسناً، يبدو انك تعرف كل شيء عن الموضوع.

فقال بلور: "طبعاً" ، ثم أضاف: أشعر بشيء من الرهبة من الذهاب إلى البيت بمفردي.

فقال فيليب بلطف: إذن هل سأعيرك مسدّسي؟ الجواب: لا، لن أفعل. ليس بهذه البساطة، شكراً لك.

هزّ بلور كتفيه وبدأ يصعد المنحدّر الحادّ الانحدار في طريقة للبيت، وقال لومبارد بلطف: حان وقت الطعام في الحديقة فالحيوانات منتظمة جداً في عاداتها.

قالت فيرا بقلق: أليس خطيراً جداً ما يفعله هذا الرجل؟

- ليس بالمعنى الذي تقصدين. لا أظن أنه خطر؛ فآرمسترونغ غير مسلَّح – كما تعلمين – وبلور يساوي ضعفه من حيث القوة الجسدية على أية حال، كما أنه في أقصى الحذر، ثم إنه من المستحيل تماماً أن يكون آرمسترونغ في البيت... أنا أعرف أنه ليس هناك.

- ولكن هل يوجد أيّ تفسير آخر؟

قال فيليب بلطف: نعم، بلور.

- يا إلهي! هل تعتقد حقاً أنه...؟

- اسمعي يا فتاتي، لقد سمعتِ رواية بلور، وعليك الاعتراف بأنها إذا كانت صحيحة فليس من المعقول أن تكون لي علاقة باختفاء آرمسترونغ. روايته تبرّئني ولكنها لا تبرئه هو. ليس لدينا سوى أقواله حول سماعه خطوات ورؤيته شخصاً ينزل الدرَج ويخرج من الباب الأمامي. القصة كلها قد تكون كذبة، وربما كان قد تخلّص من آرمسترونغ قبل ساعتين من ذلك الوقت.

- كيف؟

هزّ لومبارد كتفيه ثم تابع: هذا ما لا نعرفه، ولكن في رأيي يوجد خطر واحد يجب أن نخشى منه، وهذا الخطر هو بلور. ماذا نعرف عنه؟ لا شيء تقريباً، كل حكاية الشرطي السابق هذه قد تكون كلاما فارغاً. ربما كان أيّ شيء، ربما كان مليونيراً مجنوناً أو رجل أعمال مهووساً أو سجيناً فارّاً من أحد السجون... الأمر المؤكَّد الوحيد هو أنه كان بوسعه تنفيذ كل جريمة من تلك الجرائم التي وقعت هنا.

جفّ الدم في عروق فيرا. وقالت بصوت مختنق إلى حد ما: لنفترض أنه سيصل إلينا.

قال لومبارد بلطف وهو يربّت على المسدّس في جيبه: " سأبذل كل جهدي لمنعه من ذلك". ثم نظر إليها بفضول وقال: تختبرين الثقة بي، أليس كذلك يا فيرا؟ هل أنت متأكدة تماماً من أنني لن أقتلك؟

فقالت فيرا: لا بدّ للمرء من الوثوق بأحد ما. الواقع أنني أعتقد أنك مخطئ بحق بلور، ما زلتُ أظن أنه آرمسترونغ.

ثم التفتت إليه فجأة وقالت: ألا تشعر بأن شخصاً ما يراقبنا وينتظر؟

قال لومبارد ببطء: إنها مجرَّد حالة عصبية.

فقالت فيرا باندفاع: إذن فقد شعرتَ بذلك؟

ارتعشت، ثم انحنت قليلاً إلى الأمام وقالت: قل لي، ألا تعتقد أن...؟ أحياناً لا أكون متأكدة، ربما كان صوت الضمير.

قال بهدوء شديد بعد لحظة صمت: إذن فأنتِ أغرقتِ ذلك الطفل فعلاً؟

فقالت فيرا باهتياج: لا، لم أفعل ، لم أفعل، وليس لك الحق في قول ذلك.

فضحك بخفّة وقال: بلى لقد فعلتِ، يا لك من فتاة! لا أعرف لماذا وليس بإمكاني تصوّر السبب. الأغلب انه كان في الموضوع رجل، هل كان الأمر كذلك؟

وفجأة شعرَت فيرا بالإرهاق والوهن يسريان في أطرافها فقالت بصوت فاتر: نعم، كان في الموضوع رجل.

قال لومبارد بلطف: شكراً، هذا ما أردتُ معرفته.

وفجأة شعرت فيرا بالأرض تهتز تحت قدمَيها فانتفضت وقالت بدهشة: ماذا حدث؟ الأمر ليس هزّة أرضية، أليس كذلك؟

فقال لومبارد: لا ، لا ، هذا أمر غريب! لقد سمعت صوت ارتطام قوي هزّ الأرض وسمعت صراخاً، فهل سمعتهِ؟

حدّقا باتجاه البيت وقال لومبارد: الصوت آتٍ من هناك، والأفضل أن نذهب ونرى.

- لا ، لا ، لن أذهب.

- كما تشائين، سأذهب أنا.

فقالت فيرا بيأس: حسناً، سآتي معك.

صعدا المنحدّر إلى البيت، وكانت الشرفة هادئة وساكنة يغمرها ضوء الشمس ترددا هناك لحظة، وبدلاً من الدخول من الباب الأمامي قاما بالدوران حول البيت بحذر... فوجدا بلور. كان ممدَّا على الشرفة الحجرية في الجهة الشرقيّة وقد تحطّم رأسه وتشوه نتيجة سقوط كتلة ضخمة من الرخام الأبيض عليه!

نظر فيليب إلى الأعلى وقال: نافذة مَن هذه التي في الأعلى مباشرة؟

فقالت فيرا بصوت خافت متهدّج: إنها نافذة غرفتي! وهذه هي الكتلة التي تحوي الساعة التي كانت فوق المدفأة. تذكرتُ الآن، كانت .... كانت منحوتة على شكل دبّ.

وأخذَت تكرّر كلماتها وصوتها يهتزّ ويرتعش قائلة: كانت منحوتة على شكل دبّ!

-3-

أمسكها فيليب من كتفيها وقال بصوت خشن مندفع: اتضح الأمر الآن؛ آرمسترونغ مختبئ في مكان ما في ذلك البيت. سأذهب وأقضي عليه.

ولكن فيرا تعلَقت به وصاحت: لا تكُن مجنوناً. لقد جاء دورنا الآن؛ آرمسترونغ يريدنا أن نبحث عنه، إنه يترقب ذلك.

توقّف فيليب وقال متفكراً: كلامك فيه بعض الصحّة.

فصاحت فيرا: أيّاً كان الأمر فها أنت تعترف الآن بأنني كنت على حق.

أومأ برأسه وقال: أجل، لقد فزتِ؛ إنه آرمسترونغ دون شك. ولكن أين أخفى نفسه بالله عليك؟! لقد مشّطنا المكان كله تمشيطاً دقيقاً.

فقالت فيرا باندفاع: ما دمتما لم تجداه ليلة أمس فلن تجده الآن.. هذا هو المنطق.

قال لومبارد متردداً: أجل، ولكن...

- لا بدّ أنه أعدّ مكاناً سرّياً في وقت سابق. بالطبع، هذا ما قد يفعله طبعاً؛ مخبأ سري كجحور الكهنة في القصور الريفية القديمة.

- ولكن هذا المكان ليس قديماً.

- بوسعه أن يفعل ذلك لهذه الغاية بشكل خاص.

هزّ فيليب لومبارد رأسه وقال: لقد مسحنا المكان في أول صباح لنا هنا، وأقسم أنه لا يوجد أيّ شيء خفيّ.

قالت فيرا: لا بدّ من وجود مخبأ.

قال لومبارد: أتمنى أن أجد...

فصاحت فيرا: أجل، تتمنّى أن تجده، وهو يعرف ذلك، إنه هناك ، ينتظرك.

قال لومبارد وهو يسحب المسدّس من جيبه قليلاً، لديّ هذا كما تعرفين.

- أنت قلت إن بلور لم تكُن لديه مشكلة، كان أكثر من ندّ لآرمسترونغ، وقد كان كذلك من الناحية الجسدية. كما أنه كان حذراً أيضاً، ولكن الذي يبدو أنك لا تدركه هو أن آرمسترونغ مجنون، رجل مجنون لديه كل الميزات، وهو أشد مكراً بمرتين من أي عاقل.

أعاد لومبارد المسدّس إلى جيبه وقال: تعالَي إذن.

-4-

قال لومبارد أخيراً: ماذا ستفعلين عندما يحلّ الليل؟

وعندما لم تُجِب فيرا واصل بطريقة اتهامية: ألم تفكري بذلك؟

قالت بيأس: ماذا نستطيع أن نفعل؟ يا إلهي! أنا خائفة.

قال فيليب لومبارد مفكّراً: الطقس صاف وسوف يكون القمر منيراً. يجب أن نجد مكاناً، فليكُن في الأعلى عند صخور القمة، فهناك يمكننا الجلوس والانتظار حتى الصباح. ويجب أن لا ننام، يجب أن نبقى يقظَين كل الوقت، وإذا صعد أحدٌ إلينا فسأطلق عليه النار.

وتوقف قليلاً ثم تابع: ولكنك ستشعرين بالبرد وأنت بهذه الملابس الخفيفة، أليس كذلك؟

فأطلقت فيرا ضحكة جافّة وقالت: أشعر بالبرد؟ ولكني سأكون أكثر برودة إذا متّ.

قال فيليب لومبارد بهدوء: أجل، هذا صحيح.

تململَت فيرا ضجراً وقالت: سأفقد عقلي إذا جلست هنا لمدة أطول. دعنا نتجوّل قليلاً.

- حسناً

أخذا يذرعان المكان صعوداً وهبوطاً بمحاذاة خط الصخور التي تشرف على البحر. كانت الشمس تنحدر نحو المغيب وترسل أشعّة رقيقة غمرتهما بوهج ذهبي، وكان فيليب ينظر إلى الأسفل نحو البحر فقال فجأة: ما هذا هناك؟ هل ترين؟ إلى جانب تلك الصخرة الكبيرة ، لا ، بعدها إلى اليمين.

حدّقت فيرا وقالت: تبدو كأنها ملابس شخص ما.

فقال لومبارد ضاحكاً: شخص يسبح ، أليس كذلك؟ غريب! كنت أظنها مجرَّد أعشاب بحرية.

قالت فيرا: لنذهب ونرَ.

قال لومبارد وهما يقتربان: إنها ملابس، مجرَّد كومة ملابس، وهناك حذاء أيضاً. هيا لنصعد من هنا.

وتسلّقا الصخور، ولكن ما لبثت فيرا أن وقفت فجأة وقالت إنها ليست ملابس ، بل هي جثة رجل!



كانت الجثة محشورة بين صخرتين وقد ألقى بها المدّ ذلك الصباح، ووصل لومبارد وفيرا إليها وانحنيا عليها فأبصرا ذلك الوجه القرمزي الشَاحب، كان وجهاً غارقاً بشعاً، وهتف لومبارد: يا إلهي، إنه آرمسترونغ!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق