الفصل العاشر
سألت فيرا فيليب: هل تصدّق ذلك؟
كانت تجلس مع فيليب على حافّة نافذة غرفة الجلوس، وفي الخارج كان المطر ينهمر والريح تزأر وتهبّ هبّات قوّية تهزّ زجاج النوافذ. مال فيليب برأسه قليلاً إلى أحد الجوانب قبل أن يجيب قائلاً : تعنين موضوع أن يكون المجرم واحداً منّا؟
- نعم.
فقال ببطء: من الصعب الإجابة، ولكن هذا صحيح منطقياً.
واستخلصت فيرا الكلمات من فمه قائلة: ولكن يبدو هذا غير معقول!
تقطّب وجه فيليب لومبارد وقال: المسألة كلها غير معقولة، ولكن بعد موت ماك آرثر لم يعُد لدينا شك وتساؤل بين كون الموضوع جريمة أو انتحاراً، بل هو جريمة بكل تأكيد، ثلاث جرائم حتى الآن.
فارتعشت فيرا وقالت: كأنّما هو حلم مروّع! يراودني شعور دائماً بأن أشياء كهذه لا يمكن أن تكون حقيقية.
فقال بتفهّم: أعرف، تتمنين لو يدقّ الباب الآن ويقدَّم لنا شاي الصباح الباكر.
- آه، كم أتمنى لو يحدث ذلك!
فقال فيليب لومبارد بصوت خفيض: أجل ، ولكنه لن يحدث. نحن جميعاً في هذا الحلم معاً، ومن الآن فصاعداً يتعيّن علينا أن نكون متيقّظين جداً.
قالت فيرا وهي تخفض صوتها: إذا كان المجرم... إذا كان واحداً منهم ، فمن تظنه يكون؟
فابتسم فيليب لومبارد فجأة وقال: هل أفهم من ذلك أنك تستبعدين شخصَينا أنا وأنتِ؟ حسناً، لا بأس في ذلك، أنا أعرف جيّداً أنني لست القاتل ولا أظن أن بك مسّا من الجنون يا فيرا. تبدين لي واحدة من أكثر الفتيات اللاتي التقيت بهم في حياتي اتزاناً ورجاحة عقل، ولا أتردّد في المراهنة بسمعتي على سلامة عقلك.
فقالت فيرا بابتسامة تشوبها بعض السخرية: شكراً.
فقال: ما هذا يا آنسة فيرا كلايثورن؟ ألا تريدين ردّ المجاملة لي؟
تردّدَت فيرا لحظة ثم قالت : لقد اعترفتَ – كما تعلم – بأنك لا تعتبر حياة الإنسان شيئاً مقدَّساً على وجه الخصوص، ومع ذلك فليس بوسعي أن أتخيلك ذلك الشخص الذي أملى الرسالة المسجَّلة في مكبّر الصوت.
فقال لومبارد: صحيح تماماً؛ لو كنت سأرتكب واحدة أو أكثر من تلك الجرائم لكان ذلك فقط للفائدة التي قد أجنيها من ذلك. هذه الجرائم بالجملة ليست من طبيعتي. حسناً، إذن نستبعد أنفسنا ونركز على رفاقنا السجناء الخمسة الآخرين، أيّهم هو السيد أوين؟ حسناً، من باب التخمين ودون سنَد إطلاقاً أختار وارغريف.
فقالت فيرا بدهشة: وارغريف! لماذا؟!
- من الصعب أن أجيبك بدقة، ولكنه رجل عجوز قضى سنوات طويلة في رئاسة المحاكم. بعبارة أخرى: لقد مثّل دور الموجّه العظيم شهوراً طويلة من كل عام، وهذا بالطبع يؤدّي إلى الغرور في النهاية، فيرى نفسه مطلَق السلطة كما لو كان يمسك بمقاليد الحياة والموت، ومن المحتمَل أن يشتطّ عقله ويخطو خطوة أبعد ليصبح القاضي والمنفّذ الأعظم.
قالت فيرا ببطء: أجل، أعتقد أن هذا ممكن.
قال لومبارد: وأنتِ؟ من ترشّحين؟
فردّت فيرا دون أيّ تردد: الدكتور آرمسترونغ.
فأطلق لومبارد صفيراً خافتاً وقال: الطبيب؟ أتعلمين؟ بالنسبة لي فأنا أضعه في آخر القائمة.
قالت فيرا: لا ، فحالتان من حالات الوفاة كانتا بسبب السّم، وهذه مسألة لها علاقة بطبيب إلى حد ما. ثم إنك لا تستطيع التغاضي عن حقيقة أن الشيء الوحيد المؤكَّد الذي تناولَته السيدة روجرز هو ذلك العقار المنوّم الذي أعطاه لها الدكتور آرمسترونغ.
قال لومبارد معترفاً: أجل، هذا صحيح.
فواصلت فيرا: إذا أصيب طبيب بالجنون فسيَمضي وقت طويل قبل أن يبدأ الناس بالاشتباه في أمره، فالأطباء يعملون كثيراً ويصيبهم الإجهاد.
قال فيليب لومبارد: اجل، ولكني أشك في انه كان بوسعه قتل ماك آرثر؛ لم يتوفر لديه وقت خلال تلك الفترة القصيرة التي تركتُه فيها، إلاَ إذا كان قد جرى بخفة أرنب ذهاباً وإياباً، وأنا أشك في أنّ لديه لياقة كافية للقيام بذلك دون أن تبدو عليه علامات الإجهاد.
قالت فيرا: لم يرتكب جريمته في تلك الفترة، بل كانت لديه فرصة فيما بعد.
- متى؟
- عندما ذهب ليدعو الجنرال للغداء.
صفر فيليب ثانية بصوت خفيض وقال: إذن فأنت تعتقدين أنه نفّذ العملية حينذاك! هذا معقول تماماً.
فقالت فيرا بصبر نافد : ما المخاطرة في ذلك؟ إنه الشخص الوحيد الذي لديه معلومات طبيّة هنا ، وبوسعه أن يقسم بأن الوفاة حدثت قبل ساعة على الأقل ولن يستطيع احد مخالفته في ذلك.
فنظر إليها فيليب بتأمل وقال: أتعرفين؟ هذه فكرة ذكية منك، تُرى...
-2-
بدت علامات الدهشة على وجه روجرز وهو يقبض بيديه على قطعة من جلد التنظيف كان يحملها وهو يسأل بلور: من هو يا سيد بلور؟ هذا ما أودّ معرفته، من هو؟
فقال له المفتش السابق بلور: حقّاً يا صديقي، هذا هو السؤال. إنه واحدٌ منّا، هذا ما قاله القاضي.
- من هو ؟ هذا ما أودّ أن أعرفه ، من هو ذلك الشيطان المتخفّي في ثوب إنسان؟
قال بلور: هذا ما نودّ جميعاً لو استطعنا معرفته.
فقال روجرز بنوع من الدهاء: ولكن لديك فكرة يا سيد بلور. لديك فكرة، أليس كذلك؟
قال بلور ببطء: قد تكون لديّ فكرة، ولكنها بعيدة جداً عن أن تكون مؤكَّدة. قد أكون مخطئاً، وكل ما أستطيع قوله هو أنه إذا كانت فكرتي صحيحة فالشخص محور البحث شخص شديد الهدوء، شديد الهدوء حقّاً.
مسح روجرز العرق من فوق جبينه وقال بصوت أجش: المسألة كلها كالكابوس ، نعم ، الكابوس.
قال بلور وهو ينظر إليه بفضول: هل لديك أنت أية أفكار يا سيد روجرز؟
فهزّ الخادم رأسه وقال بالصوت الأجشّ نفسه: لا أدري، لا أدري أبداً، وكم يخيفني إلى حد الرعب أنّ لا تكون لديّ أية فكرة.
-3-
قال الدكتور آرمسترونغ مهتاجاً: يجب أن نخرج من هنا، يجب ، يجب... بأيّ ثمن.
كان القاضي وارغريف ينظر بتأمّل خارج غرفة التدخين وقال: لا أزعم – بالطبع – بأنني خبير أرصاد جويّة، ولكن عليّ أن أقول إنه من المستبعَد جداً أن يستطيع أي قارب الوصول إلينا قبل أربع وعشرين ساعة حتى لو كانوا يعرفون بمأزقنا، وحتى عندئذ ينبغي أن تكون الريح قد هدأت.
ألقى الدكتور آرمسترونغ رأسه بين يديَه وقال متأوّهاً: وفي هذه الأثناء قد تُقتل جميعاً في فراشنا، أليس كذلك؟
قال القاضي: آمل أن لا يحدث لنا ذلك، أنا مصمّم على اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لمنع حدوث شيء من هذا القبيل.
وومض خاطر في ذهن الدكتور آرمسترونغ بأنّ رجلاً كبيراً كالقاضي ربما كان أشدّ تشبثاً بالحياة ممّا قد يكون عليه شابّ صغير السن ، وهو حقيقة طالما راودته خلال سنوات عمله. ها هو ذا أصغر من القاضي بعشرين سنة على الأقل، ومع ذلك فهو أقل منه تمسكاً بالحفاظ على حياته.
فكّر القاضي وارغريف وهو يحدّث نفسه: تُقتَل في فراشنا! هؤلاء الأطباء جميعاً متشابهون، يفكّرون بشكل تافه، عقلية بسيطة تماماً.
قال الطبيب : تذكّر أنه يوجد ثلاث ضحايا حتى الآن.
- بالتأكيد ، ولكن عليك أن تتذكر أيضاً أنّهم لم يكونوا مستعدّين للهجوم، أمّا نحن فقد أخذنا حذرنا.
قال الدكتور آرمسترونغ بمرارة: ماذا نستطيع أن نفعل؟ عاجلاً أو آجلاً...
فقال القاضي وارغريف: أعتقد أن بوسعنا أن نفعل عدّة أشياء
قال آرمسترونغ: ليس لدينا أية فكرة عمّن قد يكون القاتل.
فمسح القاضي دقنه وقال: أتدري؟ لا أستطيع أن أوافق على قولك تماماً.
فحدّق إليه آرمسترونغ وقال: أتعني أنك تعرف؟
قال القاضي وارغريف بحذر: إذا كنت تعني دليلاً حقيقياً كذلك الذي تطلبه المحاكم فأعترف لك بأنه ليس لديّ شيء من ذلك ، ولكن يبدو لي عند مراجعة الأحداث أن شخصاً واحداً بالذات يمكن الإشارة إليه بوضوح. نعم، أعتقد ذلك.
فحدق إليه آرمسترونغ وقال: لست أفهم شيئاً.
-4-
صعدَت الآنسة برنت إلى غرفتها وأخذت كتابها وذهبت لتجلس إلى جوار النافذة. فتحت الكتاب ثم وضعته جانباً بعد قليل من التردد واتجهَت إلى طاولة الزينة، فأخرجت من أحد أدراجها دفتر ملحوظات صغيراً مغلَّفاً بلون أسود.
ثم فتحت الدفتر وأخذت تكتب: وقع حادث فظيع، الجنرال ماك آرثر مات (ابن عمه متزوج بإيلسي ماكفرسون) ، مات مقتولاً دون شك. بعد الغداء ألقى علينا القاضي كلمة في غاية الأهمية، وهو مقتنع بأن القاتل واحد منّا، وهذا يعني أن واحداً منّا يتملكه شيطان. لقد خطر لي ذلك من قبل، ولكن مَن تُراه يكون؟ إنهم جميعاً يسألون أنفسهم هذا السؤال، وأنا الوحيدة التي تعرف.
جلست هناك لبعض الوقت دون حركة. أصبحت عيناها غامضتين ورانت عليهما غشاوة، وأخذ القلم يتأرجح بين أصابعها، ثم كتبت بأحرف مبعثرة مهتّزة: القاتلة هي بياتريس تايلور.
ثم أغلقت عينيها و... وفجأة انتفضت مستيقظة ونظرت إلى الدفتر، وبدهشة غاضبة فشطبت الأحرف المهزوزة للجملة الأخيرة وقالت بصوت منخفض: هل أنا التي كتبت هذا؟ أنا؟! لا بدّ أنني في طريقي إلى الجنون.
-5-
اشتدّت العاصفة وتردد عويل الريح على جدران المنزل، وكان الجميع في غرفة الجلوس، جلسوا مجتمعين والفتور يخيّم عليهم، وخلسة كان بعضهم يراقب بعضاً. ثم دخل روجرز حاملاً صينية الشاي فانتبهوا جميعاً، وسأل روجرز: هل أُسدِل الستائر؟ هذا سوُف يضفي شيئاً من البهجة.
وإذ لاقى اقتراحه قَبولاً فقد أُسدلَت الستائر وأُنيرت الأضواء، فبدت الغرفة أكثر بهجة وانحسرت بعض الظلال. وكانوا يرون أن العاصفة ستنتهي في اليوم التالي وسيأتيهم شخص ما بالنجدة أو يأتي القارب.
قالت فيرا كلايثورن: هلاَ صبيتِ الشاي يا آنسة برنت؟
فقالت المرأة الكبيرة: لا يا عزيزتي، قومي أنت بذلك؛ إن إبريق الشاي ثقيل جداً، وقد فقدتُ لفّتين من الصوف الرماديّ الذي أشتغل به، وهذا أمر مزعج.
خطت فيرا إلى طاولة الشاي، وسرعان ما علا صوت القرقعة المبهجة للأواني الخزفية وعادت الأجواء طبيعية، فقال فيليب لومبارد بمرح: الشاي، بارك الله لنا بشاي بعد الظهر اليوميّ المعتاد.
واستجاب له بلور، وروى الدكتور آرمسترونغ قصة طريفة، أما القاضي وارغريف الذي كان يكره الشاي عادة فقد أقبل يشربه باستحسان. في هذا الجو من الاسترخاء دخل روجرز قِلقاً وقال بعصبية ودون أن يخاطب أحداً بعينه: عفواً يا سيدي، ولكن هل يعرف أيّ منكم ماذا حدث لستارة الحمام؟
فارتفع رأس لومبارد بحركة سريعة وقال: ستارة الحمام! ماذا تعني يا روجرز؟
- لقد اختفت يا سيدي، اختفت تماماً. كنت أدور حول البيت لأسدل الستائر فلم أجد ستارة الحمام في مكانها.
سأل القاضي وارغريف: هل كانت هناك هذا الصباح؟
- نعم يا سيدي، كانت موجودة.
قال بلور : وأيّ نوع من الستائر هي؟
- ستارة حمراء من النوع العازل للماء يتناسب لونها مع لون بلاط الحمّام.
قال لومبارد: واختفت؟!
- نعم، اختفت يا سيدي.
نظر كل منهم إلى الىخر، وقال بلور بصوت رصين: حسناً، أيّ أهمية لشيء كهذا؟ إنه تصرف مجنون، ولكن كل شيء هنا مجنون. المسألة ليست مهمة على أية حال؛ فلا يمكن قتل أحد باستخدام ستارة عازلة للماء. لتنسّ الموضوع.
فقال روجرز: حسناً يا سيدي. شكراً لك.
ومضى خارجاً مُغلِقاً الباب خلفه، ومن جديد حلّ شعور بالخوف داخل الغرفة، ثم عاد بعضهم يراقب بعضاً خلسة.
-6-
جاء العشاء، وحين انتهوا من تناوله رُفعت الأطباق . كانت وجبة بسيطة تكوّنَت في معظمها من الأطعمة المعلِّبة. وبعد العشاء ساد غرفة الجلوس جوٌّ ثقيل متوتّر كان من الصعب تحمّله، وعند الساعة التاسعة نهضت إميلي برنت وقالت: سآوي إلى فراشي.
وقالت فيرا: وأنا أيضاً.
وصعدت المرأتان الدرجات إلى أعلى ورافقهما كل من لومبارد وبلور، وعند رأس الدرَج وقف الرجلان يتابعان المرأتين بعينيهما حتى دخلتا إلى غرفَتيهما وأغلقتا بابيَهما، وسمعا مزلاجَين يتحركان خلف البابين وصوت المفتاحين يتحركان في القفلَين، فقال بلور بابتسامة: ليست بنا حاجة لتذكيرهما بإقفال الأبواب.
وقال لومبارد: حسناً ، إنهما بخير هذه الليلة على أية حال.
ثم نزل ثانية إلى غرفة الجلوس وخلفه زميله.
-7-
ذهب الرجال الأربعة إلى غرفهم بعد ساعة من ذلك، وقد صعدوا جميعاً معاً. بقي روجرز في غرفة الطعام يهيّئ الطاولة لطعام الإفطار. ورآهم وهم يصعدون إلى غرفهم وسمعهم يتوقفون على قمة الدرّج في الأعلى، ثم جاء صوت القاضي يقول: أظن أنه لا حاجة بي لتذكيركم بقفل أبوابكم أيها السادة. قال بلور: وأكثر من ذلك، علينا وضع مقعد خلف الباب، إذ توجد وسائل لفتح الأقفال من الخارج.
غمغم لومبارد: مشكلتك أنك تعرف الكثير يا عزيزي بلور.
وقال القاضي بهدوء: تصبحون على خير أيها السادة، ولنأمل أن نلتقي جميعاً في الصباح سالمين.
خرج روجرز من غرفة الطعام وصعد الدرَج إلى وسطه فرأى أربعة أشخاص يعبرون أربعة أبواب، وسمع صوت أربعة أقفال تدور وأربعة مزاليج تتحرك في مجاريها، ثم أومأ برأسه وغمغم لنفسه: كل شيء على ما يرام.
وعاد إلى غرفة الطعام وهو يقول لنفسه: نعم، كل شيء جاهز للصباح.
ثم تركّزت عيناه على تماثيل الخزف الصغيرة السبعة. وفجأة افترّت شفتاه عن ابتسامة ماكرة وغمغم: لن أسمح لأحد أن يقوم بألاعيب هذا المساء مهما كلّف الأمر.
واجتاز أرض الغرفة إلى الطرف المقابل فأغلق المطبخ، ثم دخل من الباب الآخر إلى القاعة فأغلق الباب وأقفله ووضع المفتاح في جيبه، ثم أطفأ الأنوار وأسرع صاعداً الدرَج إلى غرفته الجديدة. كان فيها مكان واحد يصلح للاختباء وهو الخزانة الطويلة، ففتّشها في الحال ثم أغلق الباب، وأقفله وتهيّأ للنوم وقال لنفسه: لا مزيد من الألاعيب في هذه الليلة، لقد تأكدتُ من ذلك بنفسي.
* * *
الفصل الحادي عشر
-1-
عند التاسعة والنصف كان يجلس على حافة سريرة ينظر إلى ساعته، ثم رفعها إلى أذنه وانفرجت شفتاه عن ابتسامة تميّز بها تشبه تكشيرة الذئب، ثم قال لنفسه، هامساً : أعتقد أنه قد حان الوقت لأفعل شيئاً حيال هذا الموضوع.
وقبل العاشرة بخمس وعشرين دقيقة كان يدقُ باب بلور المغلَق، ففتح بلور الباب بحذر وكان شعره أشعث وعيناه نصف مغمضتين من أثر النوم. قال فيليب لومبارد بدماثة : تنام حتى وقت متأخر؟ هذا يدل على راحة ضميرك.
فقال بلور باقتضاب: ما الأمر؟
أجاب لومبارد: هل دعاك أحد أو أحضر لك الشاي؟ هل تعرف كم الساعة الآن؟ نظر بلور إلى ساعة وضعها بجانب سريره وقال: قبل العاشرة بخمس وعشرين دقيقة! لا أصدق أنني استطعت النوم كل هذه المدّة! أين روجرز؟
فقال فيليب لومبارد: الردّ هو صدى سؤالك، أين هو؟
فسأل الآخر بحدّة : ماذا تعني؟
قال: لومبارد: أعني أنّ روجرز مفقود؛ ليس في غرفته ولا في أيّ مكان آخر، وإبريق غلي الماء ليس موضوعاً على الموقد، بل إن موقد المطبخ نفسه ليس موقَداً.
أطلق بلور سباباً ساخطاً بصوت خافت وقال: اللعنة! أين يمكن أين يكون؟ في مكان ما في الجزيرة خارج البيت؟ انتظرني حتى أرتدي ملابسي ونرى إذا كان الآخرون يعرفون أيّ شيء.
أومأ فيليب لومبارد برأسه وسار بمحاذاة صفّ الأبواب المغلَقة، فوجد آرمسترونغ مستيقظاً وقد أنهى ارتداء ملابسه تقريباً، أما القاضي وارغريف فكان بحاجة لمن يوقظه مثل بلور، وفيرا كلايثورن كانت قد ارتدت ملابسها، أما إميلي برنت فلم تكُن في غرفتها.
تحركَت المجموعة الصغيرة في أرجاء البيت، ولم يكُن في غرفة روجرز أحدٌ كما سبق لفيليب لومبارد أن عرف. كان السرير قد استُخدم وكانت شفرة حلاقته والفرشاة والصابونة كلها مبلَّلة ، فقال لومبارد: من الواضح أنه قد استيقظ.
وقالت فيرا بصوت خافت حاولَت أن تجعله حازماً ومطمئناً: ألا تعتقدون أنه مختبئ في مكان ما ينتظرنا؟
فقال لومبارد: يا فتاتي العزيزة! أنا مستعدّ لأن أعتقد أيّ شيء حول أيّ شخص، ونصيحتي أن نبقى معاً حتى نجده.
قال آرمسترونغ: لا بدّ أنه خارج البيت في مكان ما في الجزيرة.
قال بلور الذي كان قد انضمَ إليهم بكامل ملابسه ودون حلاقة: أين ذهبَت الآنسة برنت؟ هذه مسألة غامضة هي الأخرى!
ولكنهم حين وصلوا القاعة كانت إميلي برنت تدخل من الباب الأمامي مرتدية معطفاً واقياً من المطر وقالت: البحر عالي الأمواج كما كان، ولا أعتقد أن أحداً يستطيع الخروج بقارب إلى عُرض البحر اليوم.
فقال بلور: هل كنت تتجولين في الجزيرة وحدك يا آنسة برنت؟ ألا تدركين أن هذا تصرف أحمق للغاية؟
فردّت إميلي برنت: أؤكّد لك أنني كنت في غاية اليقظة والحذر يا سيد بلور.
قال بلور بصوت أجش: هل تعرفين أين روجرز؟ فارتفع حاجبا الآنسة برنت وقالت: روجرز؟ لا ، لم أرَه هذا الصباح. ماذا؟
ونزل القاضي وارغريف الدرَج وقد حلق ذقنه وارتدى ملابسه ووضع طقم أسنانه في فمه، وتوجّه إلى الباب المفتوح لغرفة الطعام وقال: أرى أنه قد أعدّ المائدة للفطور.
قال لومبارد: لعلّه فعل ذلك ليلة أمس.
ودخلوا جميعاً إلى الغرفة وهم ينظرون إلى الأطباق وأدوات المائدة الأخرى وقد رُتّبت بعناية، وإلى صف الأقداح على الطاولة الجانبية وقطع من اللباد العازل لوضع دورق القهوة عليها. كانت فيرا أول من انتبه فأمسكَت بذراع القاضي بأصابعها الرياضية بقوة جعلت الرجل العجوز يجفل وصرخَت : الجنود الصّغار... انظروا!
كان هناك ستة تماثيل خزفية فقط وسط الطاولة!
-2-
وجدوه بعد فترة قصيرة. كان في غرفة الغسيل الصغيرة في الطرف الآخر من الفناء، وكان قد قام بقطع بعض الأخشاب لإشعالها في موقد الطبخ، وكانت البلطة الصغيرة لا تزال في يده، ولكن كانت هناك بلطة أكبر، أكبر بكثير!
كانت ملقاة مستندة إلى الباب، وكان النصل ملوَّثاً بلون بنّي غامق متناسب تماماً مع الجرح العميق في مؤخرة رأس روجرز!
-3-
قال آرمسترونغ: الأمر واضح تماماً: لا بدّ أن القاتل قد زحف خلفه ورفع البلطة وهوى بها على رأسه حين كان منحنياً.
كان بلور مشغولاً بمقبض البلطة ومنخل الدقيق الخاصّ بالمطبخ في حين سأل القاضي وارغريف: هل كان الأمر يتطلب قوة كبيرة يا دكتور؟
فقال آرمسترونغ بهدوء: تستطيع امرأة القيام بذلك إذا كان هذا ما تقصده.
وجال بنظرة سريعة حوله، وكانت فيرا كلايثورن وإميلي برنت قد انسحبتا إلى المطبخ فأكمل: الفتاة بوسعها القيام بذلك بسهولة فهي رياضية، ومن ناحية المظهر تبدو إميلي برنت ضعيفة ولكن ذلك النوع من النساء لديه غالباً قوة وصلابة. عليك أن تتذكر أن أيّ شخص مختلّ العقل لديه قدر كبير من القوة الكامنة.
فأومأ القاضي برأسه موافقاً ومتفكراً، ونهض بلور وقال وهو يتنهد: لا أثر لبصمات أصابع، لقد تمّ مسح المقبض بعد الحادث.
ثم سُمع صوت ضحك فالتفتوا خلفهم بحدّة! كانت فيرا كلايثورن تقف في الشرفة تصيح بصوت صاخب وهي تهتزّ بنوبات من الضحك: هل يحتفظون بنحل في هذه الجزيرة؟ أخبروني، أين نذهب لنحصل على العسل؟
نظروا إليها غير مدركين، وبدا كما لو أن الفتاة المتزنة العاقلة قد فقدت عقلها للتوّ ، في حين تابعَت هي بذلك الصوت الصارخ غير الطبيعي: لا تنظروا إليّ هكذا كما لو أنكم تظنونني مجنونة. أنا أسألكم عن أشياء محددة: نحل، خلايا نحل... ألا تفهمون؟ ألم تقرؤوا تلك الأنشودة الحمقاء المعلَّقة في غرفكم؟ لقد وُضعت هناك لتتمعّنوا فيها. كان علينا أن نأتي هنا مباشرة لو انتبهنا: " سبعة جنود صغار كانوا يقطعون خشباً " ... ثم البيت الذي يليه. لقد حفظت الأنشودة كلها عن ظهر قلب. سأخبركم : " ستة جنود صغار كانوا يلعبون بخلية نحل" . لذلك أنا أسأل: هل تحتفظون بنحل في هذه الجزيرة؟ أليس هذا طريفاً؟ أليست هذه طرفة لعينة؟
وأخذت تضحك بطريقة صارخة مرة أخرى، فخطا الدكتور آرمسترونغ إلى الإمام ورفع يده وهوى بها بصفعة قوية على وجهها، فشهقت شهقة قوية وبلعت ريقها، ووقفت دون حراك لمدة دقيقة ثم قالت: شكراً، أنا بخير الآن.
وعاد صوتها أكثر هدوءاً واتزاناً، صوت معلّمة التربية الرياضية القديرة، ثم استدارت وعبرت الشرفة إلى المطبخ وهي تقول: الآنسة برنت وأنا سنُعدّ لكم طعام الإفطار. هل تستطيعون أن تحضروا بعض الحطب لإشعال النار؟
كانت علامات أصابع يد الطبيب لا تزال مطبوعة على وجنتها، وفيما كانت تدخل المطبخ قال بلور: جميل، لقد قمتَ بذلك بشكل جيّد يا دكتور.
فقال آرمسترونغ بلهجة الاعتذار: كان لا بدّ من ذلك؛ لا نستطيع تحمل تلك الهستيريا بالإضافة إلى كل ما نحن فيه.
وقال فيليب لومبارد : إنها ليست من النوع الهستيري.
فوافق آرمسترونغ قائلاً: بالطبع، إنها فتاة واعية وحالتها الصحية جيّدة، ولكنها فقط صدمة المفاجأة، وقد تحدث لأيّ شخص.
كان روجرز قد قطع كمية من الخشب قبل أن يُقتل، فجمعوها وأخذوها إلى المطبخ حيث كانت فيرا وإميلي برنت مشغولتَين؛ كانت الآنسة برنت تُشعل الموقد وفيرا تزيل الشحم الزائد حول شرائح اللحم، وقالت إميلي برنت: شكراً لكم. سنعمل بأسرع ما يمكننا، ونرجو أن نفرغ من إعداد الطعام بعد نصف ساعة. يجب غلي الماء في الإبريق أولاً.
-4-
قال المفتش السابق بلور لفيليب لومبارد بصوت خافت مبحوح: أتعرف فيمَ أفكّر؟
قال فيليب لومبارد: حيث إنك على وشك أن تخبرني فلا يستحقّ الأمر عناء التخمين.
كان المفتش السابق بلور رجلاً جادّاً، ولم يكُن ليستوعب أخذ الأمور باستخفاف فقال بكُل جديّة: كان في أمريكا قضية؛ رجل عجوز وزوجته قُتلا ببلطة في وضح النهار، ولم يكُن في البيت سوى ابنتهما والخادمة. وقد ثبت أن الخادمة لم تكُن تستطيع ارتكاب الجريمة، والابنة كانت عانساً محترّمة في أواسط العمر فبدا أنه من غير المعقول أن تكون قد ارتكبت الجريمة، غير معقول لدرجة أن المحكمة برّأتها، ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى تفسير آخر.
وتوقف لحظة مفكّراً ثم تابع: خطر لي ذلك عندما رأيت البلطة، ثم عندما ذهبت إلى المطبخ ورأيتها هناك بكامل الأناقة والهدوء ولم تتحرك شعرة في رأسها. أما تلك الفتاة التي انتابتها الهستيريا.... حسناً، هذا طبيعي، حالة يمكن تفهّمها ، ألا تعتقد ذلك؟
فأجاب فيليب لومبارد باقتضاب: ربما.
وتابع بلور: أما المرأة الأخرى المفرطة الأناقة والاحتشام وهي ملتفّة بتلك المريلة حول وسطها ( مريلة السيدة روجرز على ما أظن)... أقول لك إن تلك المرأة مجنونة وغريبة الأطوار! كثير من العوانس العجائز كذلك. لا أعني أنهنّ يرتكبن جرائم القتل على نطاق واسع، ولكنّ لهن أفكاراً غريبة. هذه المرأة سلكت طريق الهوَس الديني لسوء الحظ؛ فهي تعتقد أنها أداة الله على الأرض أو شيء من هذا القبيل، وتراها دائماً في غرفتها تقرأ الكتب الدينية.
تنهّد فيليب لومبارد وقال: هذا ليس دليلاً أكيداً على خلل عقلي يا بلور.
ولكن بلور تابع بتمهّل ومثابرة: ثم أنها كانت في الخارج مرتدية معطفاً واقياً من المطر زاعمة أنّها خرجت لمشاهدة البحر.
هزّ لومبارد رأسه وقال: روجرز قُتل وهو يقطع الحطب، أيّ حال نهوضه من النوم، والآنسة برنت لم تكُن بحاجة للتجوال خارج البيت لعدّة ساعات بعد ذلك. إن قتل روجرز يحتاج جهداً كبيراً من شخص مستيقظ تماماً في رأيي.
قال بلور : ليست هذه هي النقطة يا سيد لومبارد. إذا كانت المرأة بريئة فهي ستكون خائفة حتى الموت من الخروج والتجوال وحدها، ولا يمكن أن تخرج إلا إذا كانت مطمئنّة تماماً، أو ... أو إذا كانت هي نفسها القاتلة.
فقال فيليب لومبارد: هذه نقطة جيدة. نعم، لم يخطر لي ذلك.
ثم أضاف بابتسامة شاحبة : يسرّني أنك لم تعُد تشتبه بي.
قالت بلور بشيء من الخجل: الواقع أنني بدأت بالتفكير بك بسبب ذلك المسدّس وتلك القصة الغريبة التي سردّتها، أو بالأحرى التي لم تسردها، ولكني أدركت الآن أن ذلك كان سيغدو مكشوفاً جداً. وتوقف قليلاً ثم قال: آمل أنك تشعر بالشعور نفسه نحوي؟
قال فيليب مفكّراً: قد أكون على خطأ بالطبع، ولكني لا أستطيع تصور أن لديك ما يكفي من الخيال لعمل كهذا، كل ما أستطيع قوله هو أنك إن كنت المجرم فأنت ممثل بارع دون شك، وأرفع قبّعتي احتراماً لك.
ثم خفض صوته وتابع: بصراحة يا سيد بلور (والأمر سرّ بيننا): مع الأخذ في الاعتبار أننا قد نصبح جثتين هامدتين قبل انقضاء يوم آخر، يبدو لي أنك تورطتَ بالفعل في قضية شهادة الزور تلك.
فتململ بلور في وقفته ثم قال أخيراً: يبدو أن هذا لن يغيّر شيئاً الآن. حسناً، أجل، وسأخبرك بما حدث. كان لاندور بريئاً تماماً. لقد سيطرَت عليّ العصابة وساعدتُهم في إرسال ذلك الرجل إلى السجن. ولكنّني لن اعترف بذلك.
ثم أكمل بابتسامة ساخرة: الأمر فقط بيني وبينك ولا يوجد أيّ شهود. أظنك عرفت الحقيقة الآن. لكن الأمور لم تجرِ كما ينبغي بعد ذلك؛ فعصابة بورسيل كانوا مجموعة حقيرة. على أنني حظيت بالترقية مع ذلك.
- وحُكم على لاندور بالأشغال الشاقّة ومات في السجن.
ردّ بلور متسائلاً: وهل كان بوسعي أن أعرف أنه سيموت؟
- لا ، كان حظك سيئاً.
- حظي؟ تقصد حظه.
- وحظك أيضاً ؛ فنتيجة لذلك يبدو أن حياتك توشك على الوصول إلى نهاية غير سارة.
حدّق إليه بلور وقال: أنا؟ هل تعتقد أنني سأتبع روجرز والبقية؟ لا، ليس أنا؛ أنا حَذِر ومنتبه لنفسي تماماً.
فقال لومبارد : حسناً، أنا لست رجل مراهنات. وعلى أيّة حال إن أنت متّ فلن يتسنّى لي أن أتقاضى رهاني.
- سيد لومبارد ، ماذا تعني؟
فقال لومبارد بابتسامة استخفاف: أعني – يا عزيزي بلور – انك ليست لك أي فرصة للنجاة في رأيي.
- ماذا؟!
- إن افتقارك للقدرة على التوقع سيجعلك هدفاً سهلاً تماماً، ومجرمٌ له قدرة أوين وله القدرة على التخيّل سيكون من السهل عليه اصطيادك متى شاء ( أو متى شاءت).
صار وجه بلور أحمر قانياً وقال مستفسراً بغضب: وأنت ؟ ماذا عنك أنت ؟
بدا وجه فيليب لومبارد قاسياً ومنذراً بالخطورة فجأة وقال: أنا لديّ قدرة جيّدة على التوقّع. لقد مرّت بي ظروف صعبة سابقاً واستطعتُ التخلص منها. أظن أنني لن أقول أكثر من هذا، ولكن أظن أنني سأنجو هذه المرة أيضاً.
-5-
كان البيض في المقلاة وفيرا تحمّص شرائح الخبز وتفكّر قائلة لنفسها: لماذا جعلتُ من نفسي حمقاء على تلك الصورة؟! كان ذلك خطأ منّي. حافظي على هدوئك أيتها الفتاة، حافظي على هدوئك.
كانت فخورة برجاحة عقلها دائماً، وعادت تقول لنفسها: لقد كنتُ مدهشة حين احتفظت باتزاني وألقيت بنفسي سابحة نحو سيريل في الحال و... ولكن لماذا التفكير بذلك الآن؟ كل ذلك قد انتهى ، انتهى ؛ وسيريل اختفى قبل وصولي إلى الصخرة بوقت طويل.
كانت قد شعرت عندها بالتيار يجرفها إلى البحر بعيداً عن الشاطئ، ولم تقاوم التيار بل تركت نفسها له فسبحت بهدوء طافية حتى وصل القارب أخيراً. لقد أثنوا على شجاعتها ورباطة جأشها، ولكن ليس هوغو... هوغو نظر إليها فقط. تذكرّت تلك اللحظة فقالت لنفسها: يا إلهي، كم هو مؤلم حتى الآن التفكير بهوغو! أين هو؟ ماذا يفعل؟ خاطب ؟ متزوج؟
قالت إميلي برنت فجأة بحدّة: فيرا: شرائح الخبز تحترق.
- أنا آسفة يا آنسة برنت. هذا صحيح، كم أنا غبية!
رفعت إميلي برنت البيضة الأخيرة من المقلاة، وقالت فيرا بفضول وهي تضع شريحة جديدة من الخبز في آلة التحميص: أنت هادئة على نحو رائع يا آنسة برنت. قالت الآنسة برنت وهي تزمّ شفتيها: لقد رُبّيت على الاحتفاظ بتوازني وعلى أن لا أثير ضجيجاً.
فقالت فيرا لنفسها بتلقائية: "كانت مقموعة وهي طفلة، هذا يفسّر الكثير ". ثم قالت بصوت مسموع: ألستِ خائفة؟ وتوقفت فجأة ثم أضافت: أم لا يهمك الموت؟
الموت! كان ذلك بمثابة مخرز دُقّ في دماغ إميلي برنت. الموت! ولكنها لن تموت، الآخرون سيموتون لا هي، ليس إميلي برنت. هذه الفتاة لم تفهم، إميلي خائفة بالطبع، لا أحد من عائلة برنت يخاف؛ أهلها كلهم كانوا متدينين شجعان لا يهابون الموت، كلهم كانوا مثلها، يعيشون حياة استقامة وصدق. ليس لديها ما تخجل منه ولذلك فهي لن تموت بالطبع. " لا أحد منّا سيغادر هذه الجزيرة"... مَن قال ذلك؟ الجنرال ماك آرثر بالطبع، ابن عم زوج إيلي ماكفرسون. لم يبدُ مكترثاً، والواقع أنه بدا... بدا أنه يرحّب بالفكرة. هذا الأمر فظيع! بعض الناس لا يكترثون بالموت لدرجة أنهم يقتلون أنفسهم فعلاً، مثل بياتريس تايلور. لقد حلمت بها أمس، حلمت أنها كانت في الخارج تلصق وجهها على زجاج النافذة وتئنْ طالبة السماح لها بالدخول، ولكن إميلي برنت لم ترغب في إدخالها لأنها لو فعلَت ذلك لحدث شيء مروّع!
وبانتفاضة مفاجئة ثابت إميلي برنت إلى رشدها، وكانت الفتاة تنظر إليها باستغراب شديد فقالت بصوت مفعّم بالنشاط: كل شيء جاهز، أليس كذلك؟ سنأخذ الإفطار إلى الداخل.
-6-
كان الإفطار وجبة غريبة، وبدا الجميع في غاية التهذيب، ستة أشخاص يبدو عليهم – ظاهرياً- أنهم عاديّون ومتمالكون لأنفسهم، أما في داخل كل منهم فكانت الأفكار تدور في رؤوسهم كالسنجاب في قفص: "ماذا بعد ؟ ماذا بعد ؟ مَن؟ ماذا؟... "تُرى هل تنجح الفكرة؟ تستحق التجربة إذا توفّر الوقت. يا إلهي، إذا توفر الوقت!... " هوَس دينيّ، هذا هو الموضوع . من الصعب تصديق ذلك من مجرَّد النظر إليها، ولكن لنفرض أنني على خطأ" ... " هذا جنون ، كل شيء مجنون وأنا في طريقي إلى الجنون! الصوف يختفي! ستائر حريرية حمراء... شيء غير معقول! لا أستطيع فهم معنى كل هذه الأمور " .... " الأحمق اللعين صدّق كل شيء قلتُه له. كان ذلك سهلاً، ولكن يجب أن ألتزم الحذر، الحذر التامّ" ... " ستة من تلك التماثيل الخزفية الصغيرة، ستة فقط. تُرى كم تمثالاً سيبقى الليلة؟"...
- من يريد البيضة الأخيرة؟
- من يريد مربّى؟
- شكراً ، هل أقطع لك بعض الخبز؟
ستة أشخاص يتصرفون بصورة عادية على مائدة الإفطار.
* * *
الفصل الثاني عشر
انتهت الوجبة، وتنحنح القاضي وارغريف وقال بصوت خافت وبنبرة مَن يمارس سلطته: أعتقد أن من المناسب أن نجتمع لبحث الموقف. ليكُن هذا خلال نصف ساعة في غرفة الجلوس.
همهم الجميع موافقين، وأخذت فيرا تجمع الأطباق وقالت: سأنظف الطاولة وأغسل الأطباق.
فقال فيليب لومبارد: سنساعدك بنقل الأشياء إلى المطبخ.
- شكراً.
ونهضت إميلي برنت على قدميها ثم عادت وجلست وقالت: يا إلهي!
قال القاضي : ما الأمر يا آنسة برنت؟!
فقالت إميلي بنبرة اعتذار: أنا آسفة؛ كنت أودّ مساعدة الآنسة كلايثورن ولكني لا أعرف ما الأمر! أشعر بشيء من الدوار.
فتحرك الدكتور آرمسترونغ باتجاهها وهو يقول : دوار؟ هذا طبيعي، صدمة متأخرة، أستطيع أن أعطيك شيئاً لـ....
- كلا.
انفجرت الكلمة من بين شفتيها كالقنبلة، وفوجئ الجميع بردّ فعلها هذا وتحوّل وجه الدكتور آرمسترونغ فبات شديد الاحمرار. كان الخوف والشك باديَين بوضوح شديد على وجهها فقال الدكتور متشنجاً: كما تشائين يا آنسة برنت.
قالت: لا أريد أن أتناول شيئاً، لا شيء على الإطلاق، سأجلس هنا بهدوء حتى يزول الدوار.
فرغوا من إعادة ترتيب الطاولة وقال بلور: أنا أحب العمل المنزلي، سأساعدك يا آنسة كلايثورن.
قالت فيرا: شكراً.
بقيت إميلي برنت جالسة وحدها في غرفة الطعام، وتناهى إليها لبعض الوقت صوت همهمة خفيفة في المطبخ. كان الدوار ينقشع في تلك اللحظة وأحسّت ببعض الخدر كما لو كانت على وشك النوم. أحسّت بطنين في أذنَيها، ولم تعرف إن كان هذا شيئاً في داخل رأسها أم أنه طنين حقيقي من الغرفة. قالت لنفسها: كأنها نحلة. نحلة طنّانة !
ثم شاهدت النحلة التي كانت تزحف على زجاج النافذة. وتذكرَت أن فيرا كلايثورن تحدّثت عن النحل في الصباح، النحل والعسل... كانت تحب العسل وتحب أن تأخذه من القرص وتصفّيه قطرة قطرة.
ورغماً عنها بدأت الحقائق تختلط في ذهنها، فرأت أن في الغرفة شخصاً، شخصاً مبتلاًّ وثيابه تقطر ماء... بياتريس تايلور جاءت من النهر! كل ما كان عليها هو الاستدارة برأسها لتستطيع رؤيتها، ولكنها لم تكُن قادرة على الاستدارة برأسها! تمنّت لو أنها تستطيع أن تصرخ مستنجِدة، ولكنها لا تستطيع الصراخ! لم يكُن في البيت أحد، كانت وحدها تماماً.
سمعت صوت أقدام خلفها، أقدام تزحف بهدوء قادمة من خلفها. ظنّتها الخطوات المتعثرة للفتاة الغارقة، وسرَت رائحة رطوبة نفّاذة عبّر أنفها، وعلى إطار النافذة كانت النحلة تطنّ وتطنّ، ثم شعرت بالوخزة؛ لقد لسعتها النحلة في جانب عنقها!
-2-
كانوا في غرفة الجلوس ينتظرون إميلي برنت، وقالت فيرا: هل أذهب وأناديها؟
فقال بلور بسرعة: لحظة فقط.
جلست فيرا ثانية، ونظر الجميع إلى بلور مستفسرين فقال: انظروا إليّ جميعاً؛ أنا أرى أننا لسنا بحاجة إلى البحث عن مرتكِب هذه الجرائم لأبعد من غرفة الطعام في هذه اللحظة. أنا مستعدِّ للقسَم أن تلك المرأة هي من نبحث عنه.
فقال آرمسترونغ: هذا محتمَل تماماً وليس لديّ اعتراض على ذلك، ولكن ليس لدينا أيّ دليل بالطبع.
فقالت فيرا: كانت في حالة غريبة جداً عندما كنّا في المطبخ نُعِدّ الإفطار، كانت عيناها...
وأخذت فيرا ترتجف فقال لومبارد: لا يمكن الحكم عليها بسبب هذه الحالة، نحن جميعاً لسنا بحالة طبيعية الآن.
قال بلور: يوجد شيء آخر، فهي الوحيدة التي لم تقدّم تفسيراً حول التسجيل في مكبّر الصوت، فلماذا؟ لأنه ليس لديها تفسير تقدّمه.
تحركت فيرا في مقعدها وقالت: هذا ليس صحيحاً تماماً؛ لقد أخبرَتني فيما بعد.
فقال وارغريف: بمَ أخبرَتك يا آنسة كلايثورن؟
أعادت فيرا عليهم قصة بياتريس تايلور، فعلّق القاضي وارغريف قائلاً: هذه قصة واضحة تماماً، وأنا شخصياً لا أجد صعوبة في تصديقها. أخبريني يا آنسة كلايثورن: هل بدا عليها قلق بسبب إحساسها بالذنب أو الندم بسبب الأسلوب الذي تصرّفت به في هذا الموضوع؟
- لا شيء من ذلك، كانت غير متأثرة أبداً.
فقال بلور: إن لها قلباً كالحجر. يا لهؤلاء العوانس المتزمتات! إنه الحسد غالباً.
قال القاضي وارغريف: الساعة الآن الحادية عشرة إلاَ خمس دقائق. أعتقد أن علينا استدعاء الآنسة برنت للانضمام إلى اجتماعنا.
فقال بلور: ألن تفعل شيئاً؟
قال القاضي: لا أعرف ما الإجراء الذي يمكننا اتخاذه. شكوكنا – حالياً – مجرَّد شكوك، ولكني سأطلب من الدكتور آرمسترونغ مراقبة تصرفات الآنسة برنت مراقبة دقيقة. دعونا نذهب الآن إلى غرفة الطعام.
وجدوا إميلي برنت جالسة على نفس الكرسي الذي تركوها عليه، ومن الخلف لم يظهر أيّ شيء غير عاديّ باستثناء أنها بدت وكأنها لم تسمعهم وهم يدخلون الغرفة. ثم رأوا وجهها غارقاً في الدم مع شفتين زرقاوين وعينين جاحظتين! وهتف بلور: يا إلهي، إنها ميتة!
-3-
قال القاضي وارغريف بصوته الهادئ الخَفيض: شخص آخر من بيننا تتضح براءته، ولكن بعد فوات الأوان.
انحنى آرمسترونغ فوق المرأة فشمّ شفتيها وهزّ رأسه ثم تفحّص أجفانها، وقال لومبارد بنفاد صبر، كيف ماتت؟ لقد كانت على ما يرام عندما تركناها هنا! وانتبه آرمسترونغ فجأة إلى علامة على جانب عنقها الأيمن فقال: هذا أثر إبرة حُقنت تحت الجلد.
سُمع من جهة النافذة صوتُ طنين فهتفت فيرا: انظروا ، هذه نحلة، نحلة طنّانة ! هل تذكرون ما قلته لكم هذا الصباح؟
فقال آرمسترونغ بتجهم: لم تكُن تلك النحلة هي التي لسعتها، بل كانت يد إنسان تمسك الحقنة.
فسأل القاضي: ما نوع السم الذي حُقنت به؟
فأجاب آرمسترونغ: يمكنني أن أخمّن مجرَّد تخمين انه نوع من السيانيد. لعله سيانيد البوتاسيوم، نفس السيانيد الذي مات به أنتوني مارستون، لا بدّ أنها ماتت مختنقة على الفور.
وصاحت فيرا: ولكن ماذا عن تلك النحلة؟ لا يمكن أن يكون ذلك مصادفة!
قال لومبارد بتجهّم: نعم ، ليست مصادفة؛ بل هي العلامة المميّزة لذلك القاتل بيننا، ذلك الوحش العابث يريد الالتزام بأنشودته الطفولية الملعونة قدر الإمكان.
للمرة الأولى كان صوتُه أقربَ إلى الصراخ، وبدا كما لو أن أعصابه التي ثبتت في المخاطر والممارسات الحرجة خلال سنوات عمله الطويلة قد انهارت أخيراً. قال بعنف: هذا جنون، جنون مطلَق: نحن كلنا مجانين!
قال القاضي بهدوء : آمل أننا لا زلنا نملك القدرة على التفكير. هل أحضر أحد منكم حقنة طبية معه إلى هذا البيت؟
فنصب الدكتور آرمسترونغ قامته وقال بصوت غير واثق تماماً:
نعم، أنا.
اتجهت إليه أربعة أزواج من الأعُين ، فاستقر همّته لمواجهة نظرات الشك العميقة في تلك الأعُين وقال: أنا احمل معي واحدة دائماً في السفر... معظم الأطبّاء يفعلون ذاك.
فقال القاضي وارغريف بهدوء : هذا صحيح، فهل لك أن تخبرنا – يا دكتور – أين هي تلك الحقنة الآن؟
- في الحقيبة في غرفتي.
فقال وارغريف : هل نستطيع التأكد من هذه الحقيقة؟
وصعد الخمسة الدرَج بمسيرة صامتة، وهناك أُفرغَت محتويات الحقيبة على الأرض، ولكن لم تكُن الحقنة هناك.
-4-
قال آرمسترونغ مهتاجاً: لا بدّ أنّ أحداً قد أخذها.
ولكن الغرفة غرقت في الصمت تماماً، ووقف آرمسترونغ وظهره إلى النافذة. كانت أربعة أزواج من الأعُين تحدّق إليه مملوءة بالشك والاتهام، فنقل نظره بين وارغريف وفيرا وكرّر بيأس وضعف: أقول لكم إنه لا بدّ أنّ أحداً قد آخذها.
كان بلور ينظر إلى لومبارد فنظر إليه بدوره، وقال القاضي: يوجد خمسة منّا في هذه الغرفة: وأحدنا هو القاتل. إن الموقف محفوف بخطر مميت وعلينا أن نبذل كل جهد لحماية الأربعَّة الأبرياء منّا. سأسألك الآن يا دكتور آرمسترونغ: ما هي العقاقير الموجودة لديك؟
فأجاب آرمسترونغ : لديّ حقيبة طبية صغيرة هنا، يمكنك تفتيشها. ستجد بعض الحبوب المنوّمة، تريونال وسلفونال وعلبة برومايد وبيكربونات الصودا وأسبرين ... ولا شيء آخر، ليس لديّ سيانيد.
قال القاضي : أنا نفسي لديّ بعض الأقراص المنوّمة، أعتقد أنها سلفونال ، وأظن أنها مميتة إذا أُعطيَت بجرعة كبيرة بما فيه الكفاية. وأنت يا سيد لومبارد معك مسدّس، أليس كذلك؟
فقال لومبارد بحدّة: وماذا في ذلك؟
- أنا فقط أقترحُ جمع ما لدى الدكتور من عقاقير وحبوب السلفونال التي معي ومسدّسك وأيّ شيء له علاقة بالعقاقير أو الأسلحة النارية ووضع ذلك كله في مكان آمن ، وبعد ذلك يجب أن يخضع كل منّا للتفتيش ، تفتيش ذاتي وتفتيش للأمتعة.
قال لومبارد : قتلني الله إن تخليّتُ عن مسدّسي.
فقال وارغريف بحدّة: سيد لومبارد، أنت شابّ قويّ البنية ولكن المفتّش السابق بلور رجل قوي البنية أيضاً. أنا لا أعرف ما قد يسفر عنه صراع بينكما، ولكن بوسعي أن أقول لك إننا سنكون إلى جانب بلور لمساعدته بكل مال دينا من قوة، أنا شخصياً والدكتور آرمسترونغ والآنسة كلايثورن يمكنك – إذن – أن تقدّر أن الاحتمالات ستكون كبيرة ضدك نوعاً ما إذا قررت أن تقاوم.
دفع لومبارد رأسه إلى الخلف وكشف عن أسنانه بما يشبه الزمجرة وقال: حسناً ، لا بأس إذن ما دمتَ قد حكّمت رأيك.
فأومأ القاضي وارغريف برأسه وقال: أنت شابّ عاقل. أين مسدّسك؟
- في درج الطاولة إلى جوار سريري.
- جيّد.
- سأحضره لكم.
- أعتقد أنه من الأفضل أن تذهب معك.
فقال فيليب بابتسامة كانت لا تزال أشبه ما تكون بالزمجرة: يا لك من شيطان شكّاك!
وساروا في الممر إلى غرفة لومبارد، وتوجّه فيليب إلى الدرج وفتحه بقوة، ثم تراجع مطلقاً سباباً ساخطاً، لقد كن الدرج المجاور للسرير فارغاً!
-5-
قال لومبارد بسخط: هل ارتحتم؟
بعدها نزع ملابسه وتمّ تفتيشه شخصياً وتفتيش غرفته بكل دقة بواسطة الرجال الثلاثة الآخرين في حين كانت فيرا كلايثورن خارجاً في الممر. واستمر التفتيش بصورة منهجية، فخضع كل من آرمسترونغ والقاضي وبلور إلى التفتيش نفسه. ثم خرج الرجال الأربعة من غرفة بلور وتوجهوا إلى فيرا، وكان القاضي هو الذي تكلم معها قائلاً: آمل أن تتفهمي – يا آنسة كلايثورن – أنه ليس بوسعنا أن نستثني أحداً، ويجب العثور على ذلك المسدّس . لا بد أنك تملكين ثوباً ضيقاً إلى حد ما، أليس كذلك؟
فأومأت فيرا إيجاباً فقال لها: إذن أرجو أن تذهبي إلى غرفتك وترتدي ذلك الثوب ثم تعودي إلينا هنا.
ذهبت فيرا إلى غرفتها وأغلقَت الباب، ثم خرجَت بعد أقل من دقيقة وقد ارتدت ثوباً ضيقاً لا يمكن أن تخفي مسدساً تحته. فقال لها القاضي: شكراً لك يا آنسة كلايثورن على تفهّمك، والآن أرجو أن تبقي هنا ريثما تفتّش غرفتك.
انتظرت فيرا بصبر في الممر حتى خرجوا، ثم دخلَت غرفتها فارتدت ملابسها القديمة وعادت إليهم حيث كانوا ينتظرون. قال القاضي: الآن نحن متأكدون من شيء واحد، وهو أنه لا توجد أسلحة ولا عقاقير قاتلة بحوزة أيّ منا نحن الخمسة، هذه نقطة جيدة. والآن سنضع العقاقير في مكان آمن. أظن أن في المطبخ صندوقاً ذا قفل لحفظ أدوات المائدة الفضية أليس كذلك؟
قال بلور : ممتاز جداً، ولكن من سيحتفظ بالمفتاح؟ أظن أنه سيكون أنت؟
لم يُجِب القاضي، بل نزل إلى المطبخ وتبعه الآخرون. كان هناك صندوق صغير مصمَّم لحفظ أدوات المائدة الفضية، وبتوجيه من القاضي وُضعت العقاقير كلها في ذلك الصندوق ثم قُفل ، ثم – طبقاً لتوجيهات القاضي أيضاً- وُضع الصندوق في خزانة الأطباق وأُقفلت الخزانة عليه أيضاً، وعند ذلك أعطى القاضي مفتاح الصندوق لفيليب لومبارد ومفتاح الخزانة لبلور وقال : أنتما الاثنان أقوانا جسدياً، وسيكون من الصعب على أيّ منكما أخذ المفتاح من الآخر، وسوف يكون من المستحيل على أيّ أحد منّا – نحن الثلاثة الباقين – أن يقوم بذلك. إذا لجأ أحدٌ إلى فتح الخزانة أو الصندوق عنوة بطريق الكسر فسيكون ذلك شاقّاً ومثيراً للضجيج ، ومن الصعب جداً أن يتمّ ذلك دون إثارة الانتباه لما يجري.
وتوقف قليلاً ثم أكمل قائلاً: ولكننا لا نزال نواجه مشكلة خطيرة، ألا وهي : ماذا حدس لمسدّس لومبارد؟
فقال بلور : يبدو لي أن صاحبه هو الشخص الأكثر احتمالاً لمعرفة الجواب.
ظهرت انبعاجة بيضاء على أنف لومبارد وقال: قلت لك – أيها الأحمق العنيد – أنه قد سُرق منّي.
فقال وارغريف : متى رأيته آخر مرة؟
- الليلة الماضية. عندما ذهبت إلى النوم كان في الدرج جاهزاً في حال حدوث أيّ شيء.
أومأ القاضي وقال: لا بدّ أنه قد سُرق هذا الصباح في أثناء الانشغال بالبحث عن روجرز أو بعد أن اكتُشفَت جثته.
فقالت فيرا: لا بدّ أنه مخبّأ في مكان ما في البيت... يجب أن نبحث عنه.
ربّت القاضي وارغريف على دقنه وقال: أشكّ في أن يُسفِر بحثنا عن أيّ شيء؛ لقد كان لدى القاتل الكثير من الوقت لاختيار مخبأ ملائم، ولا أظن أننا سنجد ذلك المسدّس بسهولة.
قال بلور باندفاع: لا أعرف أين المسدّس ، ولكن أراهن على أنني أعرف مكان شيء آخر، أقصد تلك الحقنة. اتبعوني.
وفتح الباب الأمامي وسار أمامهم حول البيت، وعلى مسافة قصيرة من نافذة غرفة الطعام وجد الحقنة وبجانبها تمثال خزفيّ محطُّم، تمثال سادس لجندي صغير!
قال بلور بارتياح: المكان الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه؛ فبعد أن نفّذ القاتل جريمته فتح النافذة وألقى بالحقنة من النافذة، ثم التقط التمثال الخزفيّ من الطاولة وأتبعها به.
لم يكن على الحقنة بصمات فقد تمّ مسحها بعناية، وقالت فيرا بصوت حازم: والآن دعونا نبحث عن المسدّس.
قال القاضي وارغريف: بكل تأكيد، ولكن لنبقَ معاً، في أثناء ذلك. تذكّروا أننا إذا افترق بعضنا عن بعض فسنكون فرصة للقاتل.
ثم فتّشوا البيت بعناية من السطح إلى القبو ولكن دون جدوى.
المسدّس بقي مفقوداً!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق